فهرس الكتاب

الصفحة 548 من 1236

هذا ما كان يشغل تفكيره في سكرات الموت ما تعبدون من بعدي ما هو الخط الذي ستسيرون عليه ما هي الدعوة التي ستتمسكون بها وترفعون لوائها من بعدي (ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آباءك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إله واحدا ونحن له مسلمون)

لم يطمئن قبل وفاته حتى سمعها من أولاده وأحفاده وأقروا أمامه أنهم سيعيشون وسيموتون على ملة الإسلام والتوحيد الخالص.

ومن الأنبياء الذين رفعوا لواء الدعوة إلى الله سيدنا يوسف ابن سيدنا يعقوب عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام. سيدنا يوسف الذي مر بحياته بمصائب ومصاعب ونكبات تهد الجبال، فقد تنكر له اخوته ووضعوه في غيابة الجب...وراودته امرأة العزيز فلما امتنع عنها تنكرت له ووضعته في غيابة السجن ولكن الدعاة إلى الله لا يثنيهم شئ عن المهمة التي حملهم إياها الله - عز وجل - فهم يرفعون لواء الدعوة إلى الله مهما كانت الظروف حتى إذا ما نفاهم الطغاة فيعتبرون أن نفيهم عن أوطانهم سياحة وإذا سجنوهم فيعتبرون أن سجنهم خلوة، وحفظ الله الشاعر الذي صرخ في وجه العملاء والطغاة الذين يحاربون الدعاة ويدكونهم في السجون والمعتقلات كما فعل بسيدنا يوسف صرخ في وجههم ليخبرهم أن الدعاة الصادقين لا يمتنعون عن رفع لواء الدعوة مهما كلف الأمر فقال لهم بكل ثبات:

ضع في يدي القيد ألهب أضلعي *** بالسوط ضع عنقي على السكين

لن تستطيع حصار فكري ساعة *** أو نزع إيماني ونور يقيني

فالنور في قلبي وقلبي في يدي ربي *** وربي ناصري ومعيني

سأعيش معتصمًا بحبل عقيدتي *** وأموت مبتسمًا ليحيا ديني

وهكذا كان سيدنا يوسف عندما وضع القيد في يده وألقي في السجن وإذا به يحول السجن إلى مدرسة للتوحيد ونشر دعوة الإسلام فيقول لمن معه يعرض عليهم دعوة الإسلام (يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار) .

وبقي سيدنا يوسف صابرًا محتسبًا رافعًا لواء الدعوة حتى فرج الله عنه وملكه الدنيا والمال والسلطان وأصبح ملكًا وحاكمًا يتصرف كيف يشاء وإذا به يرفع يديه إلى الله - عز وجل - والشوق يملأ قلبه فهو لا يريد مالًا ولا ملكًا ولا كرسيًا وإنما همه أن يموت على دعوة الإسلام التي عاش من أجلها فدعا ربه قائلًا: (رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السماوات والأرض توفني مسلمًا وألحقني بالصالحين) ...

الدنيا أصبحت في يده وهو يرغب عنها ويطلب من ربه قائلا (توفني مسلمًا وألحقني بالصالحين) ومن أعظم الدعاة الذين مروا على التاريخ ولم يكن لهم حظ من أقوامهم من الاحترام والتبجيل والتعظيم الذي يستحقونه بجدارة سيدنا سليمان على نبينا و- عليه الصلاة والسلام - فقد من الله عليه وأعطاه ملكًا عظيمًا وسخر له كل المخلوقات من الإنس والجن والحيوانات والجبال لتعمل معه في مجال الدعوة إلى الإسلام حتى جاءه الهدهد في يوم من الأيام وأخبره أن امرأة في اليمن تحكم قومًا يعبدون الشمس ويسجدون لها من دون الله... سبحان الله هدهد صغير بسيط لما رأى أناسًا قد انحرفوا عن الإسلام والدعوة الإسلامية أنكر عليهم وحمل همهم وأخبر بهم نبي الله سليمان.

ليعيدهم إلى الإسلام..هدهد ضعيف صغير يطير ويسعى في سبيل الدعوة ونحن اليوم نرى شبابًا ورجالًا ونساءً ينتمون إلى الإسلام ولا يحركون ساكنًا ويقفون على هامش الحياة وكأن الدعوة أمر لا يهمهم ولا يعنيهم..فجاء الهدهد وقال لسيدنا سليمان كما ذكر في القرآن الكريم (إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شئ ولها عرش عظيم.. وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله) . فلما سمع سيدنا سليمان كلام الهدهد حمله رسالة إلى تلك المرأة وإلى قومها..فحمل الهدهد الرسالة وطار بها وبذل جهدًا في سبيل إيصالها والمؤسف أن من المسلمين اليوم من بلغ من العمر الثلاثين والأربعين والسبعين ولم يبذل ربع الجهد الذي بذله الهدهد في سبيل الدعوة ووصلت رسالة سليمان - عليه الصلاة والسلام - إلى المرأة وقومها يا ترى ما الذي يوجد في الرسالة هل فيها مفاوضات هل فيها اتفاقيات على تقاسم الثروات والأموال هل فيها معاهدات على الخيانة من أجل البقاء على الكرسي والمنصب اسمعوا يا اخوة نص الرسالة التي أرسلها سيدنا سليمان - عليه الصلاة والسلام - مع الهدهد إلى تلك المرأة وقومها الذين انحرفوا عن دعوة الإسلام (قالت يا أيها الملأ إني ألقي إلى كتاب كريم: إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ألا تعلوا على وأتوني مسلمين) هذا هو نص الرسالة: (بسم الله الرحمن الرحيم ألا تعلو علي وأتوني مسلمين) .

هذه الكلمة وكفى ولا شئ سواها فهو لا يريد من البشرية إلا أن يخضعوا ويسلموا لله - عز وجل -..ولما أنتصر سليمان على تلك المرآة وعلى قومها وجاءت خاضعة بين يديه إ لتفت سليمان إلى قواده ووزرائه وبطانته وحاشيته ليذكرهم أن هذا النصر المبين الذي حققوه لم يكن بقوتهم ولا بخبرتهم ولا بعظمتهم وإنما لأنهم رفعوا لواء الدعوة إلى الإسلام وتمسكوا به جيدًا فقال لمن حوله (وأوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت