فهرس الكتاب

الصفحة 656 من 1236

قال: وكيف علمته؟ فأخبره بما صنع . فقال له: يابن أخي ، قد أصبته ، فأمسك على نفسك ، وما أظن أن تفعل . فجعل عبد الله ابن الثامر إذا دخل نجران لم يلق أحدًا به ضُرُّ إلا قال: يا عبد الله ، أتوحِّد الله وتدخل في ديني ، فأدعوَ الله لك فيعافِيكَ مما أنت فيه من البلاء؟ فيقول: نعم؛ فيوحِّد الله ويسلم ، فيدعو الله له فيُشْفَى ، حتى لم يبق أحد بنجران به ضر إلا أتاه فاتبعه على دينه ودعا له فعوفي؛ حتى رُفِع شأنه إلى ملكهم ، فدعاه فقال له: أفسدت عليّ أهل قريتي ، وخالفت ديني ودين آبائي ، فلأمثلنّ بك . قال: لا تقدر على ذلك؛ فجعل يرسل به إلى الجبل الطويل ، فيطرح عن رأسه ، فيقع على الأرض ليس به بأس . وجعل يبعث به إلى مياه نجرانَ ، بحار لا يلقَى فيها شي إلا هلك ، فيلقَى فيها فيجرج ليس به بأس؛ فلما غلبه قال له عبد الله ابن الثامر: والله لا تقدر على قتلي حتى توحِّد الله وتؤمن بما آمنت به؛ فإنك إن فعلت ذلك سُلِّطت عليّ وقتلتني . فوحد الله ذلك الملك وشهد شهادته ، ثم ضربه بعصا فشجه شجة صغيرة ليست بكبيرة ، فقتله ، وهلك الملك مكانَه ، واجتمع أهل نجران على دين عبد الله بن الثامر ، وكان على ما جاء به عيسى بن مريم من الإنجيل وحُكْمه . ثم أصابهم ما أصاب أهل دينهم من الأحداث؛ فمن ذلك كان أصل النصرانية بنجران . فسار إليهم ذو نُواس اليهوديّ بجنوده من حِمْير ، فدعاهم إلى اليهودية ، وخيرهم بين ذلك أو القتل ، فاختاروا القتل ، فخدّ لهم الأخدود؛ فحَّرق بالنار وقتل بالسيف ، ومَثَّل بهم حتى قتل منهم عشرين ألفًا . وقال وهب بن منبه: اثني عشر ألفًا . وقال الكلبيّ: كان أصحاب الأخدود سبعين ألفًا . قال وهب: ثم لما غَلَب أرياط على اليمن خرج ذو نُواس هاربًا ، فاقتحم البحر بفرسه فغرِق . قال ابن إسحاق: وذو نُواس هذا اسمه زُرْعة بن تُبّان أسعد الحميريّ ، وكان أيضًا يسمى يوسف ، وكان له غدائر من شعرٍ تَنُوسُ ، أي تضطرب ، فسمى ذا نُواس؛ وكان فعل هذا بأهل نجران ، فأفلت منهم رجل اسمه دَوْسٌ ذو ثَعْلَبان ، فساق الحبشة لينتصر بهم ، فملكوا اليمن وهلك ذو نواس في البحر؛ ألقى نفسه فيه؛ وفيه يقول عمرو بن معدي كرب:

أَتُوعِدني كأنك ذو رُعَيْنٍ ... بأَنعم عِيشةٍ أو ذو نُواسِ

وكائِنْ كان قبلَك من نَعِيم ... ومُلْكٍ ثابتٍ في الناس راسِ

قديمٍ عهدُه من عهدِ عادٍ ... عظيم قاهرِ الجبروت قاسِ

أزال الدهرُ مُلْكَهم فأضحى ... يُنَقَّل من أناس في أناس

وذو رُعين: ملك من ملوك حمير . ورُعَين حصن له وهو من ولد الحرث بن عمرو بن حمير بن سَبَأ .

مسألة: قال علماؤنا: أعلم الله عز وجل المؤمنين من هذه الأمة في هذه الآية ، ما كان يلقاه من وَحَّد قبلهم من الشدائد ، يُؤنِّسهم بذلك . وذكر لهم النبي صلى الله عليه وسلم قصة الغلام ليصبروا على ما يلاقون من الأذى والآلام ، والمشقات التي كانوا عليها ، ليتأسّوا بمثل هذا الغلام ، في صبره وتصلبه في الحق وتمسكه به ، وبذله نفسه في حق إظهار دعوته ، ودخول الناس في الدين مع صِغر سنه وعظم صبره . وكذلك الراهب صبر على التمسك بالحق حتى نُشِر بالمنشار . وكذلك كثير من الناس لما آمنوا بالله تعالى ورسخ الإيمان في قلوبهم ، صبروا على الطرح في النار ولم يرجعوا في دينهم . ابن العربي: وهذا منسوخ عندنا ، حَسْب ما تقدم بيانه في سورة «النحل» .

قلت: ليس بمنسوخ عندنا ، وأن الصبر على ذلك لمن قويت نفسه وصلب دينه أولى ، قال الله تعالى مخبرًا عن لقمان: { يابني أَقِمِ الصلاة وَأْمُرْ بالمعروف وانه عَنِ المنكر واصبر على مَآ أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأمور } : وروى أبو سعيد الخُدرِيّ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إن من أعظم الجهاد كلمة عدلٍ عند سلطان جائر"خرجه الترمذيّ وقال: حديث حسن غريب ، ورَوَى ابن سنجر ( محمد بن سنجر ) "عن أميمة مولاة النبي صلى الله عليه وسلم قالت: كنت أوضىء النبي صلى الله عليه وسلم ، فأتاه رجل ، قال: أوصني: فقال: «لا تشرك بالله شيئًا وإن قُطِّعت أو حُرِّقْت بالنار . . . » "الحديث: قال علماؤنا: ولقد امتُحِن كثير من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالقتل والصَّلْب والتعذيب الشديد ، فصبروا ولم يلتفتوا إلى شيء من ذلك: ويكفيك قصة عاصم وخُبيب وأصحابهما وما لَقُوا من الحروب والمِحَن والقتل والأسر والحرق ، وغير ذلك ، وقد مضى في «النحل» أن هذا إجماع ممن قوي في ذلك ، فتأمله هناك .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت