وقصارى القول: متى أتيح للغتين متجاورتين فرص للاحتكاك فلا مناص من تأثر كل منهما بالأخرى، سواء أتغلبت إحداهما أم كتب لكلتيهما البقاء.
غير أن هذا التأثر يختلف في الحالة الأولى عنه في الحالة الثانية. فإذا كان الفناء قد حق على إحداهما فإنها لا تقوى على مقاومة ما تقذفها به الثانية من مفردات وقواعد وأساليب، ولا تكاد تسيغ ما تتجرعه منها، فيتخمها ويضعف بنيتها فتخور قواها وتفنى أنسجتها الأصلية شيئا فشيئا حتى تزول على حين أن الغالبة تسيغ كل ما تأخذه من الأخرى مهما كبرت كميته وعظم شأنه، فيستحيل إلى عناصر من نوع عناصرها، فتزداد به قوة ونشاطا، وبدون أن تدع له مجالا للتأثير في بنيتها أو تغيير تكوينها الأصلي، كما كان شأن الإنكليزية والفرنسية الغالبتين من اللهجات السلتية المغلوبة بإيرلندا وويلز ومقاطعة البريتون وإذا كان البقاء قد كتب لكلتيهما، تعمد كل منهما إلى ما تأخذه من الأخرى فتسيغه وتقاوم آثاره الهدامة، فتبقى كل منهما متميزة الشخصية، موفورة القوى، سليمة البناء: كما كان شأن الفارسية مع التركية، والفرنسية مع الإيطالية والإسبانية والبرتغالية [1] .
هذا، ومن المقرر أن المفردات التي تنتقل من لغة إلى غيرها من اللغات التي تلتقيها يتصل معظمها بأمور قد اختص بها أهل تلك اللغة أو امتازوا بإنتاجها وفي سبقهم الغير في ابتكارها.
لذا فقد انتقل إلى اليونانية ومنها إلى اللاتينية كثير من الكلمات الفينيقية المتصلة بشئون الملاحة البحرية لأن الفينيقيين هم الذين سبقوا غيرهم من الشعوب في هذا المضمار.
وقد أخذت اللغات الجرمانية عن اللاتينية كثيرا من المفردات المتصلة
(1) علم اللغة: د. علي عبد الواحد وافي، ص 246، 247، ط. التاسعة دار نهضة مصر بالفجالة، ولمزيد من التفصيل راجع ص 240وما بعدها. وراجع أيضا: الفصحى ولهجاتها: د.
عبد الفتاح البركاوي، ص 136، الطبعة الأولى.