من ثم فإنني أقول: إن اللغة العربية لغة فاتحة تحل أينما حلّ أهلوها! [1] .
من المقرر أن التعريب ظاهرة من ظواهر التقاء اللغات، وتأثير بعضها في بعض. ووجوده في اللغة العربية، صورة لظاهرة عامة في كل اللغات فهي جميعا تستورد الدخيل بحسب حاجتها، ويتسرب إليها على الرغم منها إذ لا يكاد يعقل أن تتم عملية تبادل حضاري غير مشفوعة بتبادل لغوي في الوقت ذاته ذلك لأن أية لغة متقدمة متطورة عاشت فترة من عمرها في حضارة زاهرة، وعلم راق، وفكر متقدم، وأدب رفيع، لا يمكن أن تكتفي بثروتها المحلية، كما أنه لا يمكن أن تنجو اللغات الأخرى من تأثيرها [2] .
ولعل العامل الرئيسي في دخول الكلام الأعجمي في اللغة العربية يرجع إلى: «ما أتيح للشعوب الناطقة بالعربية من قبل الإسلام ومن بعده من فرص للاحتكاك المادي والثقافي والسياسي بالشعوب الأخرى، وما نجم عن هذا الاحتكاك وعن التطور الطبعيّ للحضارة العربية من ظهور مستحدثات لم يكن للعرب ولا للغتهم عهد بها من قبل في ميادين الاقتصاد والصناعة والزراعة والتجارة والعلوم والفلسفة والآداب والدين ومختلف مناحي السياسة والاجتماع» [3] فكان من الضروري نتيجة لهذا الاحتكاك: تبادل المصطلحات العلمية، واقتراض مسميات الأشياء التي توجد في أمة ولا توجد في الأخرى منهما مما اضطر العربي حتى يساير موكب الحضارة إلى أن يستخدم اللفظ الأجنبي، بعد ما يطوعه للغته، فيعربه، وبذلك يصير اللفظ عربيا، يضاف
(1) راجع: المرجع السابق: ص 188186، وتاريخ اللغات السامية: ص 214وما بعدها.
(2) دراسات في الأدب واللغة: د. حسن أحمد الكبير، ص 132بتصرف يسير، الطبعة الأولى مطبعة الأمانة سنة 1404هـ.
(3) فقه اللغة: د. علي عبد الواحد وافي، ص 199، 200. ط. دار نهضة مصر.