في نظرنا لكمية الألفاظ المعرّبة بالنسبة إلى الألفاظ العربية في اللغة العربية. والسر في أن القرآن أخذ هذه الحفنة من الألفاظ الأعجمية هو نفس السر الذي دعا العربية إلى اقتراض بعض ألفاظ من غيرها حيث الحاجة إليها، وأنه لا يوجد في العربية ما يقوم مقامها، على نحو ما وضحنا آنفا.
أقول: إن موضوعا شائكا كموضوع وقوع المعرّب في القرآن الكريم، لا بد من نظرة علمية سديدة بحيث يمكن الفصل فيه، ولن يتأتى هذا إلا من خلال علم اللغة المقارن، حيث الوقوف على حقيقة الألفاظ القرآنية التي نسبت إلى لغات مختلفة ومحاولة تأصيلها للوقوف على أصل لغة هذه الكلمات وبذلك يمكن أن تقال الكلمة الفاصلة ويقفل باب الصراع الفكري في هذه القضية على أسس علمية سليمة بعيدة عن منطق الهوى المتجرد.
هذا، ونظرا لأنني بتوفيق الله وعون منه أخذت على عاتقي محاولة تأصيل هذه الكلمات المقول بأعجميتها كما سيتضح فيما بعد. ورغم الصعوبة البالغة التي لاقيتها في تأصيل هذه الكلمات، فإنني توصلت بحمد الله إلى نتيجة أستطيع من خلالها أن أجزم بوقوع المعرّب في القرآن الكريم.
فأقول: وبعد خلاف بين العلماء طال أمده لمدة تزيد عن أربعة عشر قرنا من الزمان، فإنني اليوم أجيء لأحسم هذا الخلاف، مؤكدا وقبل كل شيء: أن علماءنا الفضلاء لا شك أن عذرهم كان معهم طوال هذه الفترة حيث إن علم اللغة المقارن لم يظهر إلا في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي [1] ، ولو أن عالما مفضالا كالإمام الشافعي وأصحاب مذهبه في الإنكار عايشوا هذا الوقت لقالوا بوقوع المعرب في القرآن الكريم بل ونادوا بذلك؟!
(1) لمزيد من التفصيل راجع: علم اللغة: د. علي عبد الواحد وافي ص 53وما بعدها.