وأما في الشرق فلم يستقر سلطانهم في بلاد العراق إلا بعد استقراره في
الشمال الغربي بأمد طويل. ومع ذلك، فقد أخذ نفوذهم يتغلغل في هذه البلاد منذ عصر سحيق في القدم، وأخذت لغتهم تقتحم على الأكادية معاقلها وتنتزعها معقلا معقلا، فلم ينتصف القرن الرابع ق. م حتى كانت الآرامية قد طغت على جميع الألسنة في هذه المناطق، وكانت الأكادية من عداد اللغات الميتة في المحادثة.
ثم اشتبكت الآرامية في صراع مع لغات الكنعانيين جيران الآراميين في الشمال الغربي، وكتب لها النصر كذلك في هذا العصر، فقضت على العبرية في أواخر القرن الرابع ق. م وعلى الفينيقية في القرن الأول ق. م.
وبذلك ورثت الآرامية أخواتها الشرقية والشمالية جميعا، وأصبحت اللغة السائدة في التخاطب في جميع بلاد العراق من جهة وفي سوريا وفلسطين وما إليها من جهة أخرى. وقد بلغت عنفوان مجدها ووصلت منطقتها إلى أقصى درجات اتساعها في المرحلة المحصورة بين سنتي 300ق. م و 650بعد الميلاد.
وكان لها فوق ذلك منزلة اللغة الدولية في كثير من المناطق المجاورة لبلادها، وخاصة في عهد الحكم الفارسي لهذه المناطق. وامتد نفوذها إلى آسيا الصغرى نفسها. كما امتد نفوذ الآرامية إلى بلاد تدمر والنبط وشبه جزيرة سينا كما يظهر ذلك من الآثار التي عثر عليها في هذه المناطق. ولم يقف نفوذ الآرامية عند هذا الحد، بل جاوزه إلى مناطق اللغة العربية نفسها، فكانت الآرامية تستخدم لغة كتابة في بعض المناطق العربية اللغة، وخاصة في بلاد النبط [1] .
(1) فقه اللغة: د. علي عبد الواحد وافي ص 5856، بتصرف يسير، ط. دار نهضة مصر.
وراجع: تاريخ اللغات السامية: أ. ولفنسون، ص 117115، ط. الأولى دار القلم ببيروت 1980ميلادي.