فما فيه من لون عندك يعيبه إلا هو عنده تحت لون يزينه، ولا رذيلة تقبحه إلا هي في معنى فضيلة تجمله. فخذ منه الكذب في فلسفة المنفعة، والتسفل في شفاعة الغريزة، والوقاحة في زعم الحرية، والخطأ في علة الرأى، والإلحاد في حجة العلم، وفساد الطبيعة في دعوى الرجوع إلى الطبيعة! وبالجملة، خذ أفعالهم فسمّها غير أسمائها وانحلها غير صفاتها، واكذب بالألفاظ على المعاني وقل: علماء ومصلحون، وأنت تعنى ما شئت إلا حقيقة العلم والإصلاح.
«أيتها الحصاة! ما يسخر منك الساخر بأكثر من أن يجلوك على الناس في علبة جوهرة.
«وأنت أيها القارئ فلا يغرنك منهم من يلبس العمامة ويتسم بسمة الشرع ثم يذهب أين ذهب وشعلة الجحيم العلمية تدور في رأسه تهفو من هنا وهنا! «ومن تراه في ثياب المعلم يتلبس بالنشء كما يتلبس الداء بعضو حيّ لا يدع أبدا أن يغمز غمزة، ويبتلى بما فيه من ضعة وبلاء فلا يصلح إلا على إفساد الحياة، ولا يقوى إلا على إضعاف القوى، ولا يعيش إلا على غذاء من الموت، كأن هذا المعلم أخزاه الله كان دودة في قبر ثم نفخه الله إنسانا فيما يبلو به الخلق ويضرب الحياة به ضربة انحلال وبلى وتعفّن! «ومن تراه سخر به القدر أشد سخرية قط، فضغطه في قالب من قوالب الحياة المصنوعة فإذا هو في تصاريف الدنيا كاتب مرشد متنصح، ينفث دخان قلبه الأسود ويعمل كما تعمل الأعاصير على إهداء الوجوه والأعين والأنفاس صحفا منتشرة من غبار الأرض، إن لم تكن مرضا فأذى، وإن لم تكن أذى فضيق، وإن لم تكن ضيقا فلن تكون شيئا مما يساغ أو يقبل أو يحب.
«على إنك ترى أصحابنا العلماء لا يتحاملون على شيء، ما يتحاملون على القرآن الكريم. فهم يخصونه بمكاره العلم كله ويجفون عنه أشد جفاء، وإنهم وإياه في غرورهم وأوهامهم لكالطيارات غرها أن تصعد في الجو فمضت حاشدة في حملة حربية إلى فلك الشمس .. » 4: 10