7 -حديث هرقل
قوله (فِي رَكْبٍ) معناه أرسل إلى أبي سفيان حالة كونه كائنًا في جملة رَكْبٌ وهو أميرهم، وهذا أرسل إليه، ومعناه أرسل إليه في شأن الرَّكب وطلبهم إليه.
قوله (تُجَّارًا) بكسر التَّاء وتخفيف الجيم، نحو صاحب أصحاب، وبضمِّ التَّاء وتشديد الجيم.
قوله (بِالشَّامِ) إمَّا أن يتعلَّق بـ (تجَّار) أو بـ (كانوا) أو يكون وصفًا آخر لـ (ركب) ، وكانوا في غزَّة، و (الشَّام) مهموز ومخفَّف كـ (رأس) وفيه لغة ثالثة بفتح الشِّين والمدِّ يُذَكَّر ويؤنَّث.
قوله (فَأَتَوْهُ) الفاء فيه فصيحة، إذ تقدير الكلام أرسل إليه في طلب إتيان الرَّكب إليه، فجاءه الرَّسول فطلب إتيانهم، فأمره، ونحوه قوله تعالى {فَقُلْنَا اضْرِبْ بِّعَصَاكَ الحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ} [البقرة60] ؛ أي فضرب فانفجرت.
قوله (بِإِيلِياء) هو بكسر الهمزة واللام وسكون الياء بينهما ممدود، بيت المقدس وقيل معناه بيت الله، وحكى أبو عبيد البكريُّ أنَّه يقال بالقصر أيضًا، وله بالألف واللام وتحذف الياء الأولى.
قوله (فَدَعَاهُمْ فِي مَجْلِسِهِ) إن قلت الدُّعاء مستعمل بـ (إلى) نحو {وَاللهُ يَدْعُوْ إِلَى دَارِ السَّلَامِ} [يونس25] فالمناسب فدعاهم إلى مجلسه؛ قلتُ (في) ليس أصله الدُّعاء، إذ المراد دعاهم حالة كونه في مجلسه؛ أي محلَّ حكمه لا حالة كونه في الخلوة أو في الحرم ونحوه.
قوله (وَحَوْلَهُ) بالنَّصب ظرف مكان، وهو خبر المبتدأ الَّذي بعده.
قوله (بِتَرْجُمَانِهِ) الباء زائدة للتَّوكيد، نحو قوله تعالى {وَلَا تُلْقُوْا بِأَيْدِيْكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةْ} [البقرة195] .و (التُّرجمان) بضمِّ التَّاء وفتحها، والجيم مضمومة فيهما، التاء زائدة، وقيل أصليَّة [1] .
قوله (أَقْرَبُ) إن قلت أقرب هو أفعل التَّفضيل؛ فلا بدَّ أن يستعمل بأحد الوجوه الثَّلاثة، الإضافة واللَّام ومن، وههنا مجرَّد عنها، ثمَّ إنَّ معنى القرب لا بدَّ وأن يكون من شيء، فأين صلته؟
قلتُ كلاهما محذوفان؛ أي أيُّكم أقرب من النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم من غيركم، وإنَّما سأل أقربهم
ج 1 ص 23
لأنَّه أعلم بحاله، ولأنَّه أبعد من أن يكذب في نسبه ويقدح فيه؛ لأنَّ نسبَه هو نسبُه، [2] وأمَّا (فقال) أي التُّرجمان، فالفاء فيه فصيحة؛ أي فقال للتُّرجمان قل أيُّكم أقرب، فقال التُّرجمان.
قوله (فَإِنْ كَذَبَنِي) بتخفيف الذَّال؛ أي نقل إليَّ الكذب وقال لي خلاف الواقع.
قال الأصفهانيُّ (كذب) يتعدَّى إلى مفعولين، فقال (كذبني الحديث) وكذا نظيره صدق، قال الله تعالى {لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُوْلَهُ الرُّؤْيَا} [الفتح27] وهما من غرائب الألفاظ، فـ (فعَّل) بالتَّشديد يقتصر على مفعول واحد، و (فعل) بالتَّخفيف يتعدَّى إلى مفعولين.
فائدة ساق اليعمريُّ هذا الحديث، ثمَّ قال ويُروَى في خبر أبي سفيان أنَّه قال لقيصر قد كذب، قال وما هو؟ قال إنَّه زعم لنا أنَّه خرج من أرضنا أرض الحرم في ليلة فجاء مسجدكم هذا مسجد إيلياء، ورجع إلينا في تلك اللَّيلة قبل الصَّباح، قال وبطريق إيلياء عند رأس قيصر، فقال صدق، قال ومَا علمك بهذا؟ قال إنِّي كنت لا أنام ليلة حتَّى أغلق أبواب المسجد، فلمَّا كانت تلك اللَّيلة؛ أغلقت الأبواب كلَّها غير باب واحد غلبني، فاستعنتُ عليه عمَّالي ومن حضرني فلم نستطع أن نحرِّكها كأنَّما نزاول جبلًا، فدعوت النَّجَّارين، فنظروا إليه فقالوا هذا الباب سقط عليه النِّجاف والبنيان، فلا نستطيع أن نحرِّكه حتَّى نصبح فننظر من أين أُتِي، فرجعت وتركت البابين مفتوحين، فلمَّا أصبحتُ غدوت عليها، فإذا الحجر الَّذي في زاوية المسجد منقوب، وإذا فيه أثرُ مرَبَطِ الدَّابَّة، فقلتُ لأصحابي ما حبس هذا الباب الليلة إلَّا على نبيٍّ، وقد صلَّى اللَّيلة في مسجدنا هذا، فقال قيصر يا معشر الروم! ألستم تعلمون أنَّ بين عيسى وبين السَّاعة نبيًّا بشَّركم به عيسى ترجون أن يجعله الله فيكم؟ قالوا بلى، قال فإنَّ الله قد جعله في غيركم، في أقلَّ منكم عددًا وأضيقَ منكم بلادًا وهي رحمة يضعها حيث شاء، انتهى.
قلتُ قد عزاه بعضهم إلى الحافظ أبي نُعَيم الأصبهانيِّ في كتاب «دلائل النُّبوَّة» من طريق محمَّد بن عبد الله، حدثني مالك ابن أبي الرَّجَّال عن عمر بن عبد الله عن محمَّد بن كعب القرظيِّ فذكره.
تنبيه ذكرتُ في «تعليقي الكبير» عدَّة اللَّقب الَّتي كتبها عليه السَّلام إلى قيصر، وممَّا قال دحية _بفتح الدَّال وكسرها_ بن خليفة في قدومه على قيصر
~ألا هل أتاها على نأيها بأنِّي قدمت على قيصر
~فقرَّرته بصلاة المسيح وكانت من الجوهر الأحمر
~وتدبير ربِّك أمر السَّماء والأرض فأغضى ولم ينكر
~وقلتُ تفُز ببشرى المسيح فقال سأنظر، قلت انظري
~فكاد يقرُّ بأمر الرَّسول فمال إلى البدل الأعور
~فشكَّ وجاشت له نفسه وجاشت نفوس بني الأصفر
~على وضعه بيديه الكتاب على الرَّأس والعين والمنخر
~فأصبح قيصر من أمره بمنزلة الفَرَسِ الأشقر
يريد بالفَرَس الأشقر مثلًا للعرب، يقولون أشقر إن يتأخَّر ويُعْقَر، وإن تتقدَّم تنحر.
وقال الشَّاعر في هذا المعنى
~وهل كنت إلَّا مثل سيقة العدى إن اشتدت نحر وإن خبأت عَفْرُ
وفي حديث دَِحْية من رواية الحارث في مُسْنده أنَّ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال «من ينطلق بكتابي هذا إلى قيصر وله الجنَّة؟ فقالوا وإن لم يقبل يا رسولَ الله؟ قال وإن لم يقبل فانطلق به رجل _يعني دحية_»
وذكر الحديث، فلمَّا قدم دحية على قيصرَ؛ قال له يا قيصر! أَرْسَلَني من هو خيرٌ منك، والَّذي أرسله خير منه، وقيل فاسمع بذلٍّ وأجب بنصح، فإنَّك إن لم تذلل لم تفهم، وإن لم تنصح لم تُنصَف، قال هاتِ، قال هل تعلم أكان المسيح يصلِّي؟ قال نعم، قال فإنِّي أدعوك إلى من كان المسيح يصلِّي له، وأدعوك إلى من دبَّر خلق السَّماوات والأرض والمسيح في بطن أمِّه، وأدعوك إلى هذا النَّبيِّ الأمِّيِّ الَّذي بشَّر به موسى وبشَّر به عيسى بن مريم بعدَه، وعندك من ذلك آثار من علم يكفي من العِيان ويشفي من الخبر، فإن أجبتَ؛ كانت لك الدُّنيا والآخرة، وإلَّا ذهبت عنك الآخرة وشُورِكتَ في الدُّنيا، واعلم أنَّ لك ربًّا يقصم الجبابرة ويغيِّر النِّعم، فأخذ قيصر الكتاب فوضعه على عنقه ورأسه وقبَّله، ثمَّ قال والله ما تركتُ كتابًا إلَّا قرأته،
ج 1 ص 24
ولا عالمًا إلَّا سألته، فما رأيتُ إلَّا خيرًا، فأمهلني حتَّى أنظر من كان المسيح يصلِّي له، فإنِّي أكره أن أجيبك اليوم بأمرٍ أرى غدًا ما هو أحسن منه؛ فأرجع عنه، فيضرُّني ذلك ولاينفعني أقم حتَّى أنظر، فلم يلبث أن أتته وفاة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم.
إشارة هرقل ملك إحدى وثلاثين سنة.
واستدلَّ بأنَّه لمَّا لم يكن من آبائه ملك لم تسم همته لمقاومة ملوك الأرض كلُّهم، مع كونه ليس في أيَّامه ملك إلَّا عن إسناد الرِّجال الملوك كلهَّم.
قوله (يَأْثِرُوا) بضمِّ المثلَّثة وكسرها، وخذ منه قبح الكذب في الجاهليَّة أيضًا قبل، وهذا دليل لمن يدَّعي أنَّ قبح الكذب عقليٌّ.
وأقول لا يلزم منه قبح الكذب في الجاهليَّة أيضًا لجواز أن يكون قبحه بحسب العرف أو مستفاد من الشَّرع السَّابق [3] .
قوله (لَكَذَبْتُ عَنْهُ) أي عليه، ووقع ذلك في رواية الأصيليِّ، وإنَّما قال (فأثروا) ولم يقل (يكذِّبوني) ؛ لأنَّه كان واثقًا منهم أن لا يكذِّبوه؛ لاشتراكهم معه في عداوة النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وقد جاء ذلك مصرَّحًا في رواية أبي إسحاق.
قوله (أَوَّلَ) هو بالرَّفع اسم كان، وخبره (أن قال) ويجوز العكس، وجاء به الرِّواية.
قوله (قَطُّ) فتح القاف وشدِّ الطَّاء المضمومة، هو المشهور، ومنهم من يقول بضمَّتين، ومنهم من يقول بفتح القاف وتخفيف الطَّاء، ومنهم من يضمُّها مع التَّخفيف، وهو لا يُستعمَل إلَّا في الماضي المنفي، والاستفهام ههنا حكمه حكم النَّفي فيه.
وقال شيخنا في «الفتح» استعمل (قط) بغير أداة النَّفي، وهو قليل، ويُحتمَل أن يكون معناه كأنَّه قال هل قال هذا القول أحد، أو لم يقله قطُّ؟
وفي بعض الرِّوايات يدلُّ قبله مثله فيكون منصوبًا على أنَّه بدل من هذا القول.
قوله (يَغْدِرُ) بكسر الدَّال، في أصلنا المصريِّ، وسيأتي له أخرى، وقال الكرمانيُّ بكسر الدَّال.
قوله (كَلِمَةٌ) فيه إطلاق الكلمة على الجملة، وهو سائغٌ لغةً.
قوله (غَيْرُ) إمَّا منصوب صفة لـ (شيئًا) وإمَّا مرفوع صفة لـ (كلمة) وقال والدي رحمه الله تعالى أنَّه منصوب على الاستثناء.
قال الكرمانيُّ إن قلت كيف يكون صفة لهما وهما نكرة وهو مضاف إلى معرفة؟
قلتُ كلمة (غير) لا تنصرف بالإضافة إلَّا إذا اشتهر المضاف بمغايرة المضاف إليه، وههنا ليس كذلك.
قوله (قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ) أفصح من (قتالكموه) باتِّصال الضَّمير، فلذلك فصله؛ قاله الكرمانيُّ.
وقال غيره فيه انفصال ثاني الضَّميرين والاختيار أن لا يجيء المنفصل؛ إذا تأتى أن يجيء المتَّصل.
قوله (الحَرْبُ سِجَاٌل) بكسر السِّين جمع سَجْل، وهو الدَّلو الكبير شبَّه المتحاربان بالمستقيين يستقي هذا دلو وذاك دلو.
إن قلت (الحرب) مفرد و (سجال) جمع فلا مطابقة بين المبتدأ والخبر؛ قلتُ الحرب اسم جنس.
قوله (يَنَالُ مِنَّا وَنَنَالُ مِنْهُ) جملة تفسيريَّة.
فائدة أنشد بعضهم
~حمل الكلام بعد أربع عشرة فالسَّبع ليس لها محلٌّ يُعلَم
~صلة وتفسير ومُعْترضٌ بها أو دون فاء إن بحسب ما يجزم
~أو ليس ذا جزم أواستئناف إذ وقعت جوابًا بالَّذي هو مقسم
~أو يبعث ما لا يحلُّ له يرى ويسمعها للأخرى محلٌّ محتم
~خبر ومفعول وحال أو صفة أو قبلها فاء الجواب يقدم
~أو مفرد قد انبعث أو جملة أو في محلِّ عند من يتكلَّم
قوله (وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ) وذلك لأنَّ الأشراف يأنفون من تقدَّم مثلهم عليهم، والضُّعفاء لا يأنفون فيسرعون إلى الانقياد واتِّباع الحقِّ، وهذا بحسب الغالب، وإلَّا فكان فيهم الأشراف، كالصِّدِّيق وغيره، وفي أوائل البعثة وإلَّا ففي الأواخر لا يستنكفون بل يفتخرون؛ قاله الكرمانيُّ.
وقال الكرمانيُّ قبله أشراف النَّاس كبارهم، وأهل الأحساب.
وقال شيخنا في «فتحه» المراد بـ (الأشراف) أهل التَّجبُّر والتَّكبُّر، لا كلَّ شريف؛ لئلَّا يرُادَ أبو بكر
ج 1 ص 25
وعمر رضي الله تعالى عنهما [4] .
قوله (ارْتَدَّ) سؤاله عن الارتداد لأنَّ من دخل على بصيرة في أمر محقَّقٍ لا يرجع عنه، بخلاف من دخل في أباطيل، إن قلت قد ارتدَّ كثير ممَّن آمن فما وجهه؟ إمَّا أنَّه لم يرتدَّ أحد حينئذٍ وإمَّا أنَّ الارتداد لم يكن لبغض الدِّين، بل لحبِّ الرِّئاسة ونحوه، انتهى [5] .
قوله (سَخْطَةً) بفتح السِّين، وكذا هو مضبوط في أصلنا المصريِّ ومنصوب مفعول من أجله، وفي كلام سيِّدي ضبطه بضمِّ السِّين بالقلم، ثمَّ قال السَّخَط والسُّخْط، مثل السَّقَم والسُّقْم؛ الكراهة للشَّيء وعدم الرِّضى به، انتهى.
وسيِّدي إنما تكلِّم على السَّخط والسَّخطة، وفي أصلٍ قُرئَ على شيخ والدي أُشِير بالضَّمِّ والفتح، وقال شيخنا بضمِّ أوَّله وفتحه، وأخرج من ارتدَّ مُكرهًا أَوْلًا لسخط لِدِينِ الإسلام بل لرغبةٍ في غيره لحظٍّ نفسانيٍّ كعُبيد الله بن جحش.
وقال شيخ الإسلام البلقينيِّ ضبطه بفتح السِّين _وسأنقله عن المصادر المنبَّه عليها_ دالٌّ على المرَّة في المتعدِّي نحو ضرَبَهُ ضَرْبَةً، وفي اللَّازم نحو جلس جَلْسة، وقام قَوْمة.
وليس المراد هنا أنَّه سخط مرَّة واحدة، فلو روي هذا لضمَّ السِّين لكان أوجه، لأنَّ حال هرقل استمرار سخطه. وأمَّا ما ترى من المصادر نحو رحمة لا يدلُّ على المرَّة إلَّا بالوصفيَّة نحو رحمة واحدة، انتهى.
قوله (بِالصَّلَاةِ وَالصِّدْقِ) ورد في رواية للمصنِّف بدل الصِّدق (الصَّدقة) ورجَّحها البلقينيُّ، ويقوِّيها رواية البخاريِّ [خ¦4553] في التَّفسير (الزَّكاة) ، واقتران الصَّلاة بالزَّكاة معتاد في الشَّرع، ويرجِّحها ما تقدَّم من أنَّهم كانوا يستقبحون الكذب، فذكر ما لم يألفوه.
فائدة قد جمع وصف النَّبيِّ عليه السَّلام في هذه الأمور الأربعة بتمام مكارم الأخلاق؛ لأنَّ الفضيلة، أمَّا قوليَّة وهي الصِّدق، وإمَّا فعليَّه، والفعليَّة إمَّا بالنِّسبة إليه سبحانه وهي الصَّلاة؛ لأنَّ الصَّلاة تعظيم المعبود، وإمَّا بالنِّسبة إلى نفسه وهي العفَّة، وإمَّا بالنِّسبة إلى غيره وهي الصِّلة.
وأشار بقوله (لَا تُشْرِكُوا ... وَاتْرُكُوا) إلى التَّخلِّي عن الرَّذائل، وبقوله (يأَمُرُنَا بِالصَّلَاةِ ... ) إلى آخره إلى التَّحلِّي [بالفضائل] ومحصِّله أنه ينهانا عن النَّقائص ويأمرنا بالكمالات، وهو معنى التَّكميل المقصود من الرِّسالة.
إشارة (العَفَافِ) بفتح العين الكفُّ عن المحارم وخوارم المروءة.
و (الصِّدْقِ) هو القول المطابق للواقع.
قوله (فَذَكَرْتَ أَنَّهُ يَأْمُرُكُمْ) إن قلت ما قال أبو سفيان (فأمرنا) فلما قال (يقول) بلفظ القول لا بلفظ الأمر، فلمَ غيَّر هرقل عبارته؟
قلتُ تَعْظيمًا للرَّسول وتأدُّبًا له، ولهذا سأل فيما تقدَّم أيضًا بلفظ (ماذا يأمركم؟) .
وعَدَلَ أبو سفيان عن لفظ (يأمرنا) إلى (يقول) بخلاف ذلك.
قوله (فِي نَسَبِ قَوْمِهَا) يعني أفضله وأشرفه، وذلك أنَّ من شَرَفَ نَسَبُهُ كان أبعد من انتحال الباطل، وكان انقياد النَّاس أقرب.
قوله إن قلت (ولا تُشْركوا) كيف يكون مأمورًا به والعدم لا يؤمر به، إذ لا تكليف إلَّا بفعل سيَّما في الأوامر؛ قلتُ المراد به التَّوحيد.
إن قلت (لا تشركوا) نهيٌ، فما معنى ذلك إذ لا يُقال له أمر؛ قلتُ الإشراك منهيٌّ عنه، وعدم الإشراك مأمور به، مع أنَّ كلَّ نهيٍ عن الشَّيء أمر بضدِّه، وكلُّ أمر بشيء؛ نهيٌ عن ضدِّه [6] .
فإن قلت (وَيَنْهَاكُمْ عَنْ عِبَادَةِ الأَوْثَانِ) لم يذكره أبو سفيان، فلِمَ ذكره هرقل؟
قلتُ قد لزم ذلك من قول أبي سفيان من لفظ (وحده) ومن (لا تشركوا) ومن (واتركوا ما يقول آباؤكم) فقولهم كان الأمر بعبادة الأوثان.
إن قلت مَا ذكر هرقل لفظ الصِّلة الَّتي ذكرها أبو سفيان، فلمَ تركها؟
قلتُ لأنَّها داخلة في العَفاف إذ الكفُّ عن المحارم وخوارم المروءة إنَّما يستلزم الصِّلة.
فإن قلت فلمَ راعى هرقل التَّرتيب وقدَّم في الإعادة سؤال التُّهمة على سؤال الاتِّباع والزِّيادة والارتداد؟
قلتُ الواو ليس للتَّرتيب، أو أنِّ شدَّة اهتمام هرقل بنفي الكذب على الله تعالى عند بعثه على التَّقديم [7] .
فائدة قال شيخنا في «الفتح» إنَّما عَدَلَ إلى السُّؤال عن التُّهمة عن نفس الكذب تقريرًا لهم على صدقه؛ لأنَّ التُّهمة إذا انتفت؛ انتفى سببها، ولهذا عقَّبه بالسُّؤال عن الغدر [8] .
إن قلت السؤال من أحد عشر وجهًا، والمعاد في كلام هرقل تسعةٌ، حيث لم يقل (وسألتك عن القتال) ، (وسألتك كيف كان قتالكم إيَّاه) فلِمَ ترك هذين الاثنين؟
وقلت لأن مقصودَ هرقلَ بيان علامات النبوَّة، وأمر القتال لا دخل له فيها إلا بالنظر إلى العاقبة، وذلك عند وقوع هذه القصة كانت في الغيب وغير معلوم لهم،
ج 1 ص 26
أو لأنَّ الراوي اكتفى بما سيذكره في رواية أخرى يوردها في (كتاب الجهاد) ، وهو أنَّه قال [خ¦2941] (وسألتك هل قاتلتموه وقاتلكم فزعمت أن قد فعل) الحديث، وأقول وإنَّما يبتليهم بذلك؛ ليعظم أجرهم بكثرة صبرهم وبذلهم وُسْعَهم في طَاعته [9] .
قولُه (كيف أعلم هذا العلم) وكلُّ الَّذي قاله هرقل مأخذه إمَّا من القرائن العقليَّة وإمَّا من الأحوال العاديَّة، وإمَّا من الكتب القديمة [10] ، انتهى.
وفي كلام غير الكرمانيِّ إنَّما علم ذلك من التَّوراة والإنجيل [11] .
وفي مسلم (فإن يَكُ مَا يقول حقًّا فسيملك موضع قدميَّ) يعني الشَّام، فإنَّه قال به [12] .
قوله (لَتَجَشَّمْتُ) أي تكلَّفتُ على مشقَّة لقاءه؛ أي حملتُ نفسي على الارتحال إليه لو كنت أتيقَّن الوصول إليه، لكنِّي أخاف أن يعوقني عنه عائقٌ، فأكون قد تركت ملكي ولم أصل إلى خدمته، وورد في رواية (لأحببتُ لقاءه) .
إشارة كلمة (مع) بفتح العين على اللُّغة الفُصْحى، وبها جاء القرآن، ويُقال أيضًا بإسكانها، وقيل «مع» لفظٌ معناه (الصُّحبة) ساكن العين ومفتوحها، غير أنَّ المفتوحة تكون اسمًا وحرفًا، والسَّاكنة حرف لا غير.
و (دِحْيَة) بفتح الدال وكسرها.
قوله (بِكِتَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أي قال أبو سفيان ثمَّ دعا؛ أي دعاء النَّاس بكتابه، فالكتاب مدعوٌّ به لا مدعو، فلهذا عُدِّي إليه بالباء، أو الباء زائدة، أي دعا الكتاب على سبيل المجاز، أو ضمَّن دعاء معنى اشتغل ونحوه.
إشارة الَّذي حمل الكتاب من عند ملك غسَّان وقيل هو الحارث بن أبي شمر، هو عدويٌّ.
خاتمة
إشارة في «الاستيعاب» آمن قيصر بالشَّارع عليه السَّلام وأبت بطارقته.
قوله (مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللهِ) فيه تعريض ببطلان ما يقوله النَّصارى من أنَّ المسيح هو الله؛ لأنَّ حكمَ الرُّسل كلُّهم واحد في كونهم عبادًا لله.
فائدة قال أبو حيَّان (من) الَّتي لابتداء الغاية يأتي في غير المكان والزَّمان، تقول قرأتُ من أوَّل البقرة إلى آخرها.
قوله (عَظِيْمُ الرُّوْمِ) لم يقل ملك الرُّوم؛ لأنَّه معزول عن المُلك بحكم دين الإسلام، ولا سلطنة لأحد إلَّا من قِبل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، ولم يقل إلى هرقل فقط؛ ليكون فيه نوع من الملاطفة، فقال (عظيم الرُّوم) أي الَّذي يعظِّمه الرُّوم، وقد أمر سبحانه بتليين القول لمن يُدْعَى إلى الإسلام.
فقال {ادْعُ إِلَى سَبِيْلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ} [النَّحل125] الآية.
و (عَظِيْمُ الرُّوْمِ) هو بدل يجوز قطعه وإتباعه.
قوله (سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الهُدَى) لم يقل سلام عليك، إذ الكافر لا سلامة له؛ لأنَّه مخزى في الدُّنيا بالحرب والقتل والسَّبي، وفي الآخرة بالعذاب الأبديِّ [13] .
وقال بعضهم إن قيل كيف يُبْدَأ الكافر بالسَّلام والجواب أنَّ المفسِّرين قالوا ليس المراد من هذا التَّحيَّة، إنَّما معناه سَلِمَ من عذاب الله من أسلم، وهذا جاء بعده أنَّ العذاب على من كذب، وكذا في بقيَّة هذا الكتاب (فإن تولَّيت؛ فإنَّ عليك إثم الأريسيِّين) فجعل الجواب أنَّه لم يبدأ الكافر بالسَّلام قصدًا، وإن كان اللَّفظ يُشعِر به، لكنَّه لم يدخل في المراد؛ لأنَّه ليس من اتَّبع الهدى.
قوله (أَمَّا بَعْدُ) مبنيٌّ على الضَّمِّ، إذ هو بعد الإضافة، إذ المراد بعد المذكور.
إن قلت (أمَّا) للتَّفصيل؛ فلا بدَّ من التَّكرار فأين قسيمه.
قلتُ المذكور قبله قسيمه، وتقديره إمَّا الابتداء فباسم الله إليه، وأمَّا المكتوب فـ (من محمَّد) ونحوه، وأمَّا بعد ذلك؛ فكذا؛ قاله الكرمانيُّ.
و (أمَّا بعدُ) يجوز فيها أمَّا بعدَ، وبعدًا، وبعدٌ.
قوله (بِدِعَايَةِ) الباء بمعنى (إلى) والدَّال المهملة مكسورة؛ أي بدعوته، والدِّعاية بمعنى الدَّعوة، وفي «البخاريِّ» [خ¦2941] [14] و «مسلم» [15] (بداعية) وهو بمعنى الأوَّل، ويجوز أن يكون داعية بمعنى الدَّعوة، فيرجع إلى الأوَّل؛ كقوله تعالى {ليس لها من دون [الله] كاشفة} [النَّجم58] ؛ أي كشف [16] .
قوله (يُؤْتِكَ اللهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ) قال السُّبكيُّ هذا يدلُّ على أنَّ قيصر كان على دين عيسى صلَّى الله عليه وسلَّم حين كان حقًّا قبل التَّبديل والنَّسخ، وإلَّا لم يكن له أجره مرَّتين، ويدلُّ على أنَّه وأصحابه أهل كتاب؛ لأنَّه عليه السَّلام خاطبهم بـ (يا أهل الكتاب) [17] .
واستدلَّ الشَّيخ سراج الدِّين البلقينيُّ بهذا على أنَّ كلَّ من دان بدين أهل الكتاب كان في حكمهم في المناكحة والذبائح
ج 1 ص 27
لأنَّ هرقل هو وقومه ليسوا من بني إسرائيل، ولا ممَّن دخل في النَّصرانيَّة قبل التَّبديل، فأُطلِقَ عليهم أهل الكتاب، فدلَّ على أنَّ لهم حكم أهل الكتاب، انتهى [18] .
قوله (قَوْمُكَ) إمَّا جواب ثانٍ للأمر، أو بدل أو بيان للجواب الأوَّل.
قوله (فَإِنَّ عَلَيْكَ) تقديم لفظ عليك على اسم إنَّ مفيدٌ لِلْحصر؛ أي ليس إثمهم إلَّا عليك.
إن قلت كيف يكون إثم معصية غيره عليه وقال تعالى {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام164] ؟
قلتُ المراد أنَّ إثم الإضلال عليك، والإضلال أيضًا وِزْرُهُ كالضَّلال على أنَّه معارض بقوله تعالى {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَّعَ أَثْقَالِهِمْ} [العنكبوت13] .
إشارة قوله (إِنْ تَوَلَّيْتَ) لم يقل (فإن قبلتَ وَوَافقتَ) ؛ لأنَّه قد علم أنَّ الله تعالى لا يوفِّقه.
فائدة وقال شيخنا اشتملت هذه الجملة القليلة الَّتي تضمنها هذا الكتاب على الأمر بقوله (أسلم) والتَّرغيب بقوله (تسلم) و (يؤتك) والزَّجر بقوله تولَّيت، والتَّرهيب بقوله (فإنَّ عليك) والدَّلالة بقوله (و {يَا أَهْلَ الكِتَابِ} ) [19] انتهى.
ووجه كتابة هذه الآية أنَّ هرقل نصرانيٌّ، والنَّصارى جمعت الأمور الثَّلاثة المذكورة في الآية.
فائدة قال صاحب «الأنوار» لا يجوز المسافرة بالمصحف إلى دار الكفر، ويجوز المكاتبة إليهم مع تضمين آية، انتهى.
قال الشَّيخ شرف الدِّين في «شرح المنهاج» وهذه مسألة مهمَّة مطابقة لحديث البخاريِّ.
وقال النَّوويُّ في هذا الحديث فوائد، منها أنَّه يجوز أن يسافر إلى أرض الكفَّار ويبعث إليهم بالآية من القرآن ونحوها، وأمَّا ما جاء النَّهي عن المسافرة بالقرآن؛ أي بكلمةٍ أو بجملة منه، وذلك أيضًا محمولٌ على ما إذا خِيْفَ وقوعه في أيدي الكفَّار.
ومنها أنَّه يجوز للمحدث والكافر مس كتاب فيه آية أو آيات من القرآن مع غير القرآن.
قوله (لَقَدْ أَمِرَ) جواب القسم المحذوف؛ أي والله لقد، وهو بفتح الهمزة وكسر الميم فعل ماض له، معناه عظُم، وأصله الكسرة، يقال أمر القوم؛ إذا كثر عددهم، والأمر الثَاني هو فاعله.
قوله (ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ) هو رجل من خزاعة كان يعبد الشِّعرى تاركًا لعبادة الأوثان، ولم يوافقه أحد من العرب على ذلك فشبَّهوه به وجعلوه ابنًا له؛ لمخالفته إيَّاهم في دينهم كما خالفهم بذلك أبو كبشة، وأبو كبشة جدُّ الشَّارع من قبل أمِّه أو أبوه من الرَّضاعة يُدعَى أبا كبشة، وهو الحارث بن عبد العزَّى السَّعديِّ، أو أبو كبشة عمُّ والد حليمة مرضعته، وإنَّما قالوه إمَّا لمجرَّد التَّشبية، وإمَّا عداوةً. تحقيرًا له نسبَهُ إلى غير نسبِهِ المشهور حاشاه صلَّى الله عليه وسلَّم من الحقارة.
قوله (إِنَّهُ يَخَافُهُ) بالكسر استئناف تعليليٌّ أي أمِرَ؛ لأنَّه [يخافه] وبالفتح فإنَّهُ بدل أو بيان لـ (أمِرَ) ، انتهى.
قوله (عليَّ) بتشديد الياء، وقال الزَّركشيُّ يجوز على ضعفٍ فتحها على أنَّه مفعول لأجله، وضُعِّفَ لوجود اللَّام في الخبر.
قوله (وَكَانَ ابْنُ النَّاظُورِ) بالطَّاء المعجمة والمهملة هو الحافظ للزَّرع والنَّاظر إليه.
الظَّاهر أنَّ من هنا إلى آخر الحديث من قول الزُّهريِّ؛ قاله والدي رحمه الله تعالى.
قوله (صَاحِبُ إِيْليَاءَ وَهِرَقْلَ) هرقل مفتوح اللَّام وهو مجرور عطفًا على (إيلياء) ؛ أي صاحب إيلياء وصاحب هرقل ولفظ الـ (صاحب) هنا بالنِّسبة إلى هرقل حقيقة، وبالنِّسبة إلى (إيلياء) مجاز، إذ المراد منه الحاكم فيه، وإرادة المعنى الحقيقيِّ والمَعْنى المجازيِّ من لفظ واحدٍ باستعمال واحدٍ جائزٌ عند الشَّافعيِّ [20] ، وإمَّا عندَ غيره [21] فَهُوَ مجاز بالنِّسبة إلى المَعْنيَين باعتبار معنًى شاملٍ لهما، ومثله يُسمَّى بعموم المجاز [22] .
و (صَاحِبُ) منْصوب على الاختصاص، وَمَرْفوع على أنَّه صفة لابن النَّاطور، و (أُسْقُفًّا) على الحاليَّة، ومرفوع بأنَّه خبر مبتدأ محذوف، انتهى.
وقال عياض (صاحب إيلياء) ليس منصوبًا على خبر كان؛ لأنَّ خبرها (أُسْقُفًّا) .
قال الزَّركشيُّ ويجوز أن يكون منصوبًا على خبر كان، ويكون (أُسْقُفًّا) خبرًا ثانيًا.
وقد أعرب الكرمانيُّ الرَّفع بوجهين
أحدهما على الصِّفة، وهذا لا يسوغ؛ لأنَّ ما قبله معرفة، وصاحب إيلياء نكرة، والإضافة لا تعرِّفه؛ لأنَّها في تقدير الانفصال.
قوله (شَأْنُهُمْ) مرفوع فاعل.
إشارة (يُهِمَّنَّكَ) بضمِّ الياء من الإفعال، يقال أهمَّني الأمر إذا أقلقني، وأحزنني مراده هؤلاء أحقر من أن يُهتَمَّ لهم، أو تبال بهم قاله الكرمانيُّ وفيه لغة فإنَّه سيأتي.
قوله (هَذَا مُلْكُ هَذِهِ الأُمَّةِ) ورُوِيَ (ملك) بضمِّ المشبهة و (مَلْك) بالمَصْدر، وفي أكثر أصول الشام يملك بالفعل المضارع، قال صاحب «المطالع» أظنَّهُ تصحيفًا.
وقال النَّوويُّ هو صحيح، ومعناه هذا المذكور يملك هذه الأمَّة، وقد ظهر.
وقال غيره (هذا ملك) مبتدأ وخبر؛ أي هذا المذكور يملك هذه الأمَّة.
و (قَدْ ظَهَرَ) جملة مستأنفة لا في موضع الصِّفة ولا الخبر، ويجوز أن يكون يملك نعتًا، أي هذا رجل يملك هذه الأمَّة، وقد جاء النعت بعد البعث، ثمَّ حذف المبعوث، وهذا إنَّما هو في الفعل المضارع لا
ج 1 ص 28
في الماضي؛ قاله ابن السَّرَّاج وحكاه عن الأخفش.
قوله (أُتِيَ) مجهول الماضي من الإتيان، وهو ممَّا جاء جوابه (بينا) فيه بغير (إذ) و (إذا) وقال الأصمعيُّ لا يُستفصح إلَّا طرحها، والعامل في (بينا) هو (أُتِيَ) إذ الظَّاهر هو أنَّ العامل فيه هو الجواب.
فائدة إن قلت كيف ساغ للبخاريِّ إيراد هذا الخبر المشعر بتقوية قول المنجِّمين والاعتماد على ما تدلُّ عليه أحكامهم؟؛ فالجواب لم يقصد ذلك، بل إنَّه قصد أن يبيِّن أنَّ البشارات به عليه الصَّلاة والسَّلام جاءت من كلِّ طريق وعلى لسان كلِّ فريق كاهن أو منجِّم، محقِّ أو مبطل، إنسيٍّ أو جنِّيٍّ، وهذا مِنْ أبدع ما يشير إليه عالم، أو يحتجُّ به محتجٌّ [23] .
قوله (فَكَانَ ذَلِكَ آخِرَ شَأْنِ هِرَقْلَ) آخر بالنَّصب هو الصَّحيح من الرِّواية، وهو آخر شأنه أي في حال النَّفي، وقصَّته عليه السَّلام.
وقال شيخنا لمَّا كان أمر هرقل في الإيمان عند كثير من النَّاس مستبهمًا؛ لأنَّه يحتمل أن يكون عدم تصريحه بالإيمان الخوف على نفسه من القتل، ويحتمل أن يكون استمرَّ على الشَّكِّ حتَّى مات.
قال الرَّاوي فكان ذلك آخر شأن هرقل.
ختم البخاريُّ هذا الباب الَّذي استفتحه بحديث [خ¦1] «إنَّما الأعمال بالنِيَّات» كأنَّه قال إن صدقت نيَّته انتفع بها في الجملة وإلَّا فقد خاب وخسر، فظهرت مناسبة هذا الحديث مع حديث «إنَّما الأعمال بالنِّيَّات» ، ويُؤخَذ من آخر لفظ في هذه القصَّة براعة الاختتام [24] للباب [25] ، ووجه مناسبة حديث هرقل لابتداء الوحي أنَّه يضمن كيفيَّة حال النَّاس معه صلَّى الله عليه وسلَّم في حال الابتداء؛ لأنَّ الآية الَّتي كتبها إلى هرقل للدُّعاء إلى الإسلام ملتئمةً مع الآية الَّتي في التَّرجمة، وهي {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} [النِّساء163] ، وقال تعالى {شَرَعَ لَكُمْ مِّنَ الدِّيْنِ مَا وَصَّى بِهِ نُوْحًا} [الشُّورى13] الآية، فبان أنَّه أوحى إليهم كلَّهم أنْ {أَقِيْمُوا الدِّيْنَ} [الشُّورى13] ، وهو معنى قوله تعالى {سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} [أل عمران64] الآية.
وقال ابن الملقِّن وجه مناسبته للباب عدم إتيانه بالكذب، وأنَّه لم يكن ليذر الكذب على النَّاس ويكذب على الله تعالى، فهو مشتمل على ذكر آيات أنزلت على من تقدَّم من الأنبياء، وعلى ذكر جملة من أوصاف من يُوحَى إليه، انتهى.
فوائد
فائدة (كيسان) غير منصرف؛ لأنَّه (فعلان) من الكَيْس.
فائدة أمَّا سؤاله عن العذر؛ فلأنَّ من طلب حظَّ الدُّنيا لا يبالي بالعذر وغيره ممَّا يتوصَّل به إليهَا ومن طلب الآخرةَ لم يرتكب عذرًا ولا غيره من القبائح.
(الصَّخَبُ) قال في الفائق اللَّجب، اختلاط الأصوات، وأصله من لجب البحر، وهو صوت التطام أمواجه.
(و {يا أهل الكتاب} ) هذه الواو الكلام فيها (كتاب الحيض)
(تَعَالَوا) بفتح اللَّام وقُرِئَ شاذًّا بالضَّمِّ [26] .
(إِلَى كَلِمَةٍ) متعلِّق بـ (تعالوا) و (كلمة) العامَّة بفتح الكاف وكسر اللَّام، وأبو السمال بوزن سدرة [27] ، وهي مفسَّرة بما بعدَها من قوله (ألَّا نعبدَ) ، فالمراد بها كلامٌ كثيرٌ، وهذا من باب إطلاق الجزء والمراد الكلُّ.
وقال بعضهم وضع المفرد موضع الجمع، وقيل أطلقت الكلمة على الكلمات؛ لارتباط بعضها ببعض، فصارت في قوَّة الكلمة الواحدة، إذا اختلَّ جزء منها؛ اختلَّت الكلمة؛ لأنَّ كلمة التَّوحيد (لا إله إلَّا الله) هي كلمات لاسم النِّسبة المقصودة فيهَا من حصر الإلهيَّة فيه سبحانه إلَّا بمجموعها.
وقال البخاريُّ [خ¦4553 قبل] ( {سَوَاءٍ} ) قصد، والعامَّة بجرِّ {سواء} نعتًا لـ (كلمة) ، و (سواء) في الأصل مَصْدر، ففي الوصف التَّأويلات الثَّلاثة المعروفة، ولذلك لم يُؤنَّث، والحسن بالنَّصب على المصدر أو الحال [28] .
( {أَنْ لَا نَعْبُدَ} ) فيه ستَّة أوجه.
(فَإِنْ تَوَلَّوا) هو ماض ولا يجوز أن يكون التَّقدير فإن تتولَّوا؛ لفساد المعنى؛ لأنَّ قوله {فقولوا اشهدوا} خطاب للمؤمنين، و (تتولَّوا) للمشركين وعند ذلك لا يبقى في الكلام جواب الشَّرط، والتَّقدير فقولوا لهم [29] .
قوله (سُقُفًّا) الأساقفة جمع أُسْقُفْ، وسُمِّيَ الأُسْقُفْ بخشوعه من الأَسْقَفْ، وهو الطَّويل المنحني الواقف خادم البيْعَة؛ لأنَّه وقف نفسه على ذلك.
و (المَعْشَر) هم المجْمع الَّذي شأنهم واحد في الإنس معشر، والجنُّ مَعْشر، والأنبياء معشر.
وقوله (حَزَّاءً)
ج 1 ص 29
هو المتكهِّن ينظر في النُّجوم، يمكن أن يكون أراد بيان جهة حزوه؛ لأنَّ التَّكهُّن [30] يكون مرجوُّه منهَا ذلك [31] .
(مِنْ مَلِكٍ) رُوِيَ بصفة المشبَّهة و (من) حرف جر، وبلفظ الماضي، و (من) موصوفه، والأوَّل أشهر.
(يهمَّنَّك) بضمِّ الياء أقلقني، وبفتحها أدأبني [32] .
(مَدَائِنَ) بالهمز وعدمه [33] ؛ أي إلى أهل مدائن، الهمز أفصح وعليه القرآن، وهو جمع (المدينة) (فعيلة) من (مَدَنَ) ؛ أي أقام، وقيل إنَّها (مفعلة) من (دِنْتُ) أي مَلَكْتُ.
(رُوْمِيَةَ) بتخفيف الياء [34] وتشديدها، بها تابوت السكينة وعصا موسى، وتلبيات الألواح.
قال مجاهد داخلها ستُّ مئة ألف حمَّام قاله ابن كثير في «تاريخه» ، يُقال أنَّ روماس بناها.
(يَرِمْ) بفتح الياء وكسر الرَّاء يفارق [35] .
(الرُّشْدِ والرَّشَدِ) لغتان [36] ، والرُّشد إصابة الخير، وقال الهرويُّ هو الهدى، وهو الدَّلالة الموصلة إلى البُغْية.
(فَتُبَايِعُوا) من المتابعة والبيعة.
قال الكرمانيُّ هو في أكثر الأصول من البيعة وحُذِفَتِ النُّون منه لأنَّه مثل {فَهَلْ [37] لَّنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوْا لنا} [الأعراف53] وفي بعضها من المتابعة، وهو الاقتداء، وفي بعضها (فبايعوا) بصيغة الأمر من البيعة، وفي بعضها (فنبايع) بالنُّون.
(حَاصُوا) نفروا، وقال بعضهم رجعوا على غير طريق، ومثله جاضوا إلى الجيم والضَّاد المعجمة، وقال أبو زيد معناه بالحاء رجع، وبالجيم عَدَلَ.
(آنِفًا) بالمدِّ والقصر [38] ؛ أي قريبًا، أو بعجلة أو في أوَّل وقت كنَّا فيه، أو السَّاعة وكلُّه بمعنًى [39] ، ورأيت في أصل قُرِئَ على شيخ والدي ابن بشر الحراني بالمدِّ انتهى، وروي قراءتها عن السَّبعة، وبالقصر ذكره المهدوي، وقد أطال الكلام السمين عليه، وعزى قراءة القصر إلى البزي بخلاف عنه وهو منصوب على الحال أو على الظَّرف أي ماذا يأمر السَّاعة، قاله الزَّمخشريُّ وأنكره أبو حيَّان، قال لأنَّا لم نعلم أحدًا عدَّه من الظُّروف، واختلفت عبارتهم في معناه، فظاهر عبارة الزَّمخشريِّ أنَّه ظرفٌ زمانيٌّ كما الآن.
وإنَّما شبَّهوا بحمر الوحش لمناسبة الجهل وعدم الفطنة.
و (يُخْبِرُ عَنْ خَبَرِ رَسُولِ اللهِ صلَّى اللهُ عَلِيهِ وَسَلَّمَ) وفي رواية ابن اسحاق قال خرج بين أظهرنا رجل يزعم أنَّه نبيٌّ فقد اتبعه ناسٌ وصدقوه وخالفه ناس فكانت بينهم ملاحم وهو على ذلك.
خاتمة قال ابن خلِّكان حرَّر البخاريُّ كتابه في ستة عشر سنة وأبوه كان من خيار الناس وأمُّه مجابة الدعوة.
تنبيه (صَاِلحُ بْنُ كَيْسَان) نقل الكرماني كلام الحاكم فيه وهو أنَّه توفِّي وهو ابن مئة سنة ونيِّفٍ وستين سنة وكان لقي جماعةً من أصحاب النبيِّ صلَّى اللهُ عَلِيهِ وَسَلَّمَ ثمَّ بعد ذلك تلمذ على الزهريِّ وتلَّقن منه العلم وابتدأ التعلُّم وهو ابن تسعين سنة. ولم يتعقبه، وهذا غلطٌ فاحش فانظر كلام الزهريِّ.
[1] انظر «المنهاج على صحيح مسلم» (12/ 104) .
[2] انظر «التوضيح» (2/ 390) .
[3] «الكواكب الدراري» (1/ 55) .
[4] «فتح الباري» (1/ 35) .
[5] «الكواكب الدراري» (1/ 58) .
[6] «عمدة القاري» (1/ 96) .
[7] «الكواكب الدراري» (1/ 59) ، وانظر «عمدة القاري» (1/ 97) .
[8] «فتح الباري» (1/ 35) .
[9] «الكواكب الدراري» (1/ 59) .
[10] «الكواكب الدراري» (1/ 59،60) .
[11] انظر «عمدة القاري» (1/ 97) .
[12] كذا في الأصل، وفي «صحيح مسلم» (1773) (إن يكن ما تقول فيه حقًّا؛ فإنَّه نبيٌّ ... ) ، وكذا في «التَّوضيح» (2/ 395) .
[13] انظر «الكواكب الدراري» (1/ 61) .
[14] في «صحيح البخاري» (بدعاية) .
[15] «صحيح مسلم» (1773) من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما.
[16] انظر «الكواكب الدراري» (1/ 61) ، «شرح النووي» (12/ 110) .
[17] انظر «المجالس الوعظيَّة في شرح أحاديث خير البريَّة» للسفيري (1/ 267) ، وهنا من قول السبكي.
[18] «فتح الباري» (1/ 38،39) .
[19] «فتح الباري» (1/ 39،40) .
[20] انظر «البرهان» (1/ 235) ، «الإبهاج شرح المنهاج» للسبكي (3/ 659 - 661)
[21] كالحنفية، انظر «كشف الأسرار» لعلاء الدين البخاري (2/ 68 - 69) ، «التوضيح على التنقيح» (1/ 161 - 162) .
[22] «الكواكب الدراري» (1/ 64) .
[23] «فتح الباري» (1/ 41) .
[24] في الأصل (الاختام) .
[25] «فتح الباري» (1/ 44) .
[26] وهي قراءة الحسن فيما رواه عنه قتادة، انظر «المحتسب» (1/ 191) .
[27] انظر «إملاء ما من به الرحمن» (1/ 138) ، «الدر المصون» (3/ 157) .
[28] انظر «إملاء ما من به الرحمن» (1/ 138) ، «الدر المصون» (3/ 232) .
[29] انظر «اللباب في علوم الكتاب» (5/ 294 - 299) .
[30] في الأصل (التهكُّن) .
[31] «التَّوضيح» (2/ 409) .
[32] انظر «مشارق الأنوار» (2/ 270) .
[33] من جعله فعيلة من (مدن بالمكان) ؛ أي أقام به؛ همزه، ومن جعله مفعلة من (دين) ؛ أي ملك؛ لم يهمزه، انظر «الصحاح» مادَّة (مدن) .
[34] انظر «مشارق الأنوار» (1/ 305) .
[35] انظر «مشارق الأنوار» (1/ 304) .
[36] انظر «الصحاح» مادَّة (رشد) ، «مطالع الأنوار» (3/ 188) .
[37] في الأصل (هل) .
[38] انظر «مطالع الأنوار» (1/ 313) .
[39] «التَّوضيح» (2/ 412) .
[40] مخروم في الأصل.