غرضُهُ مِن ذكرِ هذهِ الآيةِ بلْ منَ البابِ كلِّهِ إثباتُ كلامِ اللهِ تعالى القائمِ بذاتِهِ تعالى، ودليلُهُ أنَّهُ قالَ {مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ} ، ولمْ يقلْ ماذا خلقَ، وفيهِ ردٌّ للمعتزلةِ حيثُ قالُوا إنَّه مُتكلِّمٌ؛ يعني أنَّهُ خالقٌ للكلامِ في اللَّوحِ المحفوظِ مثلًا [1] .
فيه إثباتُ الشَّفاعةِ، وكذا الآيةُ الثَّانيةُ حيثُ قالَ {إِلَّا بِإِذْنِهِ} أي بقولِهِ وكلامِهِ.
و (فُزِّعَ) أي أُزيلَ الخوفُ [2] ، والتَّفعيلُ للإزالةِ والسَّلبِ.
(وَسَكَنَ الصَّوْتُ) أي المخلوقُ لإسماعِ أهلِ السَّماواتِ؛ إذِ الدَّلائلُ القطعيَّةُ قائمةٌ على تنزُّهِهِ عنِ [3] الصَّوتِ؛ لأنَّهُ يستلزمُ الحدوثَ؛ لأنَّهُ منَ الموجوداتِ السَّيَّالةِ [4] الغيرِ القارَّةِ.
إنْ قُلتَ ما فائدةُ السُّؤالِ وهم سمعُوا ذلكَ؟
قُلتُ سمعُوا قولًا ولم يفهمُوا معناهُ كما ينبغِي؛ لأجلِ فزعِهِم.
إشارةٌ الحديثُ المرحولُ لأجلِهِ [5] قيلَ هو «يحشرُ اللهُ العبادَ» ، وقيلَ ومِن تتمَّتِهِ بيانُ المقاصَّةِ؛ وهو ما معناهُ أنَّهُ لا يدخلُ أحدٌ الجنَّةَ وأحدٌ مِن أهلِ النَّارِ يطلبُهُ بمظلمةٍ، ولا يدخلُ أحدٌ النَّارَ وأحدٌ مِن أهلِ الجنَّةَ يطلبُهُ بمظلمةٍ حتَّى اللَّطمةِ [6] ، ابنُ بطَّالٍ (هو حديثُ السّترِ على المسلمِ) [7] .
قوله (يُنَادِيهِمْ) أي يقولُ؛ ليدلَّ على التَّرجمةِ.
(بِصَوْتٍ) أي مخلوقٍ غيرِ قائمٍ بهِ [8] .
إنْ قُلتَ ما السِّرُّ في كونِهِ خارِقًا للعادةِ؛ إذ في سائرِ الأصواتِ التَّفاوتُ ظاهرٌ بينَ [9] القريبِ والبعيدِ؟
قُلتُ ليُعلَمَ أنَّ المسموعَ منهُ كلامُ اللهِ تعالى.
قوله (أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الدَّيَّانُ) أي لا مَلِكَ إلَّا أنا، ولا مجازيَ إلَّا أنا؛ إذ تعريفُ الخبرِ دليلُ الحصرِ، واختارَ هذا اللَّفظَ؛ لأنَّ فيهِ إشارةً إلى الصِّفاتِ السَّبعةِ الحياةِ والعلمِ والإرادةِ والقدرةِ والسمعِ والبصرِ والكلامِ؛ ليمكنَ المجازاةُ على الكلِّيَّاتِ والجزئيَّاتِ قولًا وفعلًا [10] .
[1] انظر «المغني في أبواب التوحيد والعدل» (7/ 11) ، والجزءُ السابع من الكتاب كلُّه في مسألة خلق القرآن.
[2] في الأصل (الخلق) ، والمثبت من مصدره.
[3] في الأصل (من) ، ولعلَّ المثبت هو الصواب.
[4] في الأصل (المسألة) ، ولعلَّ المثبت هو الصواب.
[5] أي الحديث الَّذي رحل سيِّدنا جابر رضي الله عنه إلى الشام لأجل سماعه، وقد ذكر القصَّةَ الكرمانيُّ في «الكواكب الدراري» (25/ 179) ، فاختصر المصنِّف السياقَ.
[6] روى القصَّةَ مع الحديث المرحول لأجله البخاريُّ في «التاريخ الكبير» (7/ 169) ، وابنُ قانع في «معجم الصحابة» (2/ 135) ، والخطيب البغداديُّ في «الرحلة في طلب الحديث» (ص 109) .
[7] «شرح ابن بطال» (1/ 159) (قبل ح 78) .
[8] قال القاضي عياضٌ في «مشارق الأنوار» (2/ 52) (الصوت معلوم، ولا يجوز على كلام الله تعالى صفتُه بذلك، ومعناه يجعل ملكًا من ملائكته يناديهم بصوته، أو صوت يحدثه تعالى فيسمع الناس، وبيَّنه في رواية أبي ذرٍّ «فيُنادَى» على ما لم يُسمَّ فاعله، وكذلك قوله في الحديث الآخر «فإذا فزِّع عن قلوبهم وسكن الصوت عرفوا أنَّه الحقُّ» ؛ أي سكن صوت الملائكة بالتسبيح؛ لقوله أولَ الحديث «فيسبح لها أهل السماوات» ) .
[9] (الأصوات التفاوت ظاهر بين) تكرَّر في الأصل.
[10] انظر «الكواكب الدراري» (25/ 179 - 180) .