806 -قوله (نَرَى) أي نبصر، إذ لو كان بمعنى العلم؛ لاحتاج إلى مفعول آخر، ولما كان للتَّقييد بيوم القيامة فائدة.
و (تُمَارُوْنَ) بلفظ الجمع من المفاعلة، وفي بعضها من التَّفاعل بحذف إحدى التَّاءين.
و (كَذَلِكَ) أي بلا مريةٍ ظاهرًا جليًّا، ولا يلزم منه المشابهة في الجهة والمقابلة وخروج الشُّعاع ونحوه؛ لأنَّها أمور لازمة للرُّؤية عادة لا عقلًا.
(فَيَقُولُ) أي الله سبحانه، أو القائل.
و (الطَّاغوت) الشَّيطان، وكلُّ رأس في الضَّلال، وهو وإن كان على وزن لاهوت، فهو مقلوب لأنَّه من طغى.
(فِيْهَا مُنَافِقُوهَا) وذلك لأنَّهم كانوا في الدُّنيا مُسْتترين بهم، فيستتروا أيضًا بهم في الآخرة.
واتَّبعوهم رجاء أن يشفعوا بذلك حتَّى ضُرِبَ بينهم بسور له باب
ج 1 ص 369
باطنه فيه الرَّحمة وظاهره من قبله العذاب.
و (مَكَانُنَا) مرفوع؛ لأنَّه خبر المبتدأ.
وَعَرفوا أنَّه ربَّهم تعالى إمَّا بخَلْق الله تعالى فيهم علمًا به، وإمَّا بما عرفوا من وصفه الأنبياء لهم في الدُّنيا، وإمَّا بأنَّ جميع العلوم يوم القيامة تصير ضروريًّا.
(فَيَأْتِيْهُمُ اللهُ) إسناد الإتيان إليه مجاز عن الظُّهور؛ لأنَّ الإتيان مُسْتلزم للظُّهور على المأتيِّ إليه؛ لأنَّه تعالى ميَّزه عن الحركة.
إن قلتَ لم كرَّر لفظ (فيأتيهم الله) ؛ قلتُ لا تكرار، إذ المراد من الأوَّل ظهور غير واضح لبقاء بعض الحُجُبِ مثلًا، ومن الثَّاني ظهور واضح في الغاية، أو يقال أُبهِمَ أوَّلًا، ثمَّ فسَّره ثانيًا بزيادة بيان قولهم.
وذكر المكان ودعوتهم إلى دار السَّلام، أو يراد في الأوَّل إتيان الملك، ففيه إضمار.
إن قلتَ الملك معصوم، فكيف قال (أَنَا رَبُّكُمْ) قلتُ لا نسلِّم عصمةً من مثل هذه الصَّغيرة، ولئن سلَّمنا؛ فجاز ذلك لامتحان المؤمنين.
إن قلتَ المنافقون لا يرون الله، فما توجيه الحديث؛ قلتُ ليس فيه التَّصريح برؤيتهم، وإنَّما فيه أنَّ الأمَّة يرونه، وهذا لا يَقْتضي أن يراه جميعهم، كما يقال قتله بنو تميم، والقاتل واحد منهم، ثمَّ لو ثبت التَّصريح به عمومًا؛ فهو مخصَّص بالإجماع، وسائر الأدلَّة، أو خصوصًا، فهو مُعَارض بنحوها، وهذا من المتشابهات.
والأمَّة في أمثالها طائفتان مفوِّضة الأمر فيها إلى الله جازمين بأنَّه منزَّه عن النَّقائص، ومؤوِّلة يؤوِّلونها على مَا يليق به.
الخطَّابيُّ هذا مَوْضع يحتاج الكلام فيه إلى تأويل، ويجب أن تعلم أنَّ الرُّؤية الَّتي هي ثواب الأولياء وكرامة لهم في الجنَّة غير هذه الرُّؤية، وإنَّما تَعْريضهم لهذه [1] الرُّؤية امتحان من الله؛ ليقع التَّمييز بين من عَبَدَ الله وبين من عَبَدَ الشَّمس ونحوها، فيتبع كلٌّ من الفريقين مَعْبوده، وليس يُنْكَر أن يكون الامتحان إذ ذاك بعد قائمًا، وحكمه على الخلق جاريًا حتَّى يفرغ من الحساب ويقع الجزاء بالثَّواب والعقاب، ثمَّ ينقطع إذا حقَّت الحقائق واستقرَّت أمور المعاد.
وأمَّا الإتيان؛ فتأويله أنَّ طرق الرُّؤية بعد إن لم تكن بمنزلة إتيان الآتي من حيث لم يكونوا شاهدوه قبله.
ويشبه أن تكون حجَّتهم عن تحقُّق الرُّؤية في الكرَّة الأولى حتَّى قالوا (هذا مكاننا) من أجل أنَّ من معهم من المنافقين الَّذين لا يستحقُّون الرُّؤية وهم عن ربِّهم محجوبون، فلمَّا تميَّزوا عنهم ارتفع الحَجْب، فقالوا عندما رأوه (أنت ربُّنا) .
ويُحتمَل أن يكون ذلك قول المنافقين دون المومنين.
وقد ورد الحديث في البخاريِّ بزيادة (فيأتيهم الله في غير الصُّورة الَّتي يَعْرفون) فيقول أنا ربُّكم ... إلى آخره، وهذا يؤكِّد أنَّه قول المنافقين، ولفظه وإن كان عامًّا؛ فالمراد به الخاصُّ.
وأمَّا ذكر الصُّورة؛ فاعلم أنَّ الصُّورة تقتضي الكيفيَّة وهي عن الله، وصفاته منفيَّة فيؤوَّل إمَّا بأنَّ الصُّورة بمعنى الصِّفة لقوله صورة هذا الأمر كذا؛ تريد صفته.
وإمَّا بأنَّه خرج على نوع من المطابقة؛ لأنَّ سائر المعبودات المذكورات قبله صُوَر كالشَّمس وغيرها.
عيَاض يُحتمَل أن يكون معناه يظهر الله لهم في صورة ملائكته الَّتي لا تشبه صفات الإله؛ ليختبرهم، وهذا آخر اختبار المؤمن، فإذا قال لهم هذا الملك أو هذه الصُّوْرة أنا ربُّكم؛ رأوا عليه من علامة المخلوق مَا يُنْكرونه ويعلمون أنَّه ليس ربُّهم ويستعيذون بالله منه.
قوله (ظَهْرَانَي) أي بين ظَهْريها، زيدت الألف والنُّون للمبالغة، وقيل لفظ الظُّهر مقحم أيضًا.
(لَا يَتَكَلَّمُ) المراد في حال الاجتياز، وإلَّا؛ ففي يوم القيامة مواطن يتكلَّم النَّاس فيها وتجادل كلُّ نفسٍ عن نفسها.
وكلام الرُّسل (سَلِّمْ) هذا من كمال شَفَقَتهم ورحمتهم للخَلْق.
(السَّعْدَانِ) أفضل مراعي الإبل، ويقال مَرْعى ولا كالسَّعدان.
(تَخْطَفُ) بفتح الطَّاء وكسرها، معناه تخطفهم بسبب أعمالهم القبيحة، أو على حسب أعمالهم.
و (يُوْبَقُ) بلفظ المجهول؛ يهلك.
و (يُخَرْدَلُ) يقال خردت اللَّحم بالذَّال والدَّال قطَّعته قطعًا صغارًا.
و (أَثَرَ السُّجُودِ) ظاهره أنَّها لا تأكل جميع أعضاء السُّجود السَّبْعة المأمور بالسُّجود عليها.
عيَاض المراد بـ (أَثَرَ السُّجُودِ) الجبهة خاصَّة.
(امْتَحَشُوا) بالفوقانيَّة وبالمهملة الفتوحتين؛ احترقوا، ورواه بعضهم بضمِّ التَّاء وكسر الحاء.
و (الْحِبَّةُ) بكسر الحاء بزور الصَّحراء ممَّا ليس بقوت.
و (الحَمِيْل) بفتح المُهْملة ما جاء به السَّيْل من طين ونحوه، والمرادُ التَّشْبيه في سُرْعة النَّبات؛ لأنَّها أسرع نابتة نباتًا.
(يَفْرُغُ اللهُ) سيأتي في كلام الكرمانيِّ في تفسير الرَّحمن.
وإسناد الفراغ إليه سبحانه ليس على سبيل الحقيقة، إذ الفراغ هو الخلاص عن المهامِّ، والحقُّ سبحانه لا يَشْغله شأن عن شأن، فالمراد منه إتمام الحكم بين العباد بالثَّواب والعقاب.
قوله (دُخُولًا) إمَّا تمييز، وإمَّا بمعنى الدَّاخل حالًا.
(ذَكَاؤُهَا) بالمعجمة؛ لهبها واشتعالها، والمدُّ والقصر لغتان.
و (عَسَيْتَ) بفتح السِّين وكسرها.
و (ذَلِكَ) أي الصَّرْف.
(فَيُعْطِي) أي الرَّجل.
و (رَأَى بَهْجَتَهَا) حُسنَها ونضارتها، وهذه الجملة بدل من جملة أقبل على الجنَّة.
(أَشْقَى خَلْقِكَ) أي كافرًا.
إن قلتَ كيف طابق هذا الجواب لفظ (أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ العُهُودَ) ؛ قلتُ كأنَّه قال يا ربِّ لكنَّ كرمك يُطْمعني، إذ {لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللهِ إِلَّا القَوْمُ الكَافِرُونَ} [يوسف 87] .
إشارة (قَشَبَنِي) قال الكرمانيُّ بالقاف والمُعْجمة والموحَّدة المفتوحات؛ سمَّتني وأهلكتني وآذتني؛ أي صار سمُّها وريحها كالسُّمِّ في أنفي، انتهى.
قال ابن التِّين بتشديد الشِّين.
وقال ابن الملقِّن نَحْفظه بالتَّخفيفِ.
ج 1 ص 370
قوله (فَمَا عَسَيْتَ) مَا استفهاميَّة.
و (أن تَسْأَلَ) خبر عسى.
و (إِنْ أُعْطِيْتَ ذَلِكَ) أي التَّقدُّم إلى باب الجنَّة جملة مُعْترضة.
وفي بعضها أن لا تَسْأل، بزيادة (لا) ، فهي إمَّا من حروف الزِّيادة كقوله تعالى {لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الكِتَابِ} [الحديد 29] ، أوْ مَا نافية، ونفي النَّفي إثبات؛ أي عَسيتَ أن تسألَ غيرَه.
وجواب (إِذَا بَلَغَ بَابَهَا) مَحْذوف؛ أي إذا بلغ؛ تحيَّر فسكت.
(وَيْحَكَ) مَنْصوب بفعل مضمر، نحو الزم الله.
إن قلتَ كيف يصحُّ هذا من الحقِّ سبحانه وهو عالم بما كان وما يكون؛ قلتُ مَعْناه أنَّكم يا بني آدم لمَّا عُهِدَ منكم نقضُ العَهْد أحقُّ بأن يقال لكم ذلك، وحاصله أنَّ معنى (عسى) راجع إلى المخاطب لا إلى اللهِ.
(مَا أَغْدَرَكَ) فعل التَّعجُّب، والغدر ترك الوفاء.
خاتمة قوله (فَيَضْحَكُ اللهُ) المرادُ من هذه الإطلاقات لوازمها، فالمرادُ به هنا لازمه؛ وَهُوَ الرِّضا منه وإرادة الخَيْر به.
وقوله (قبل) أي يقول الله له زد من جِنْس أمانيك الَّتي كانت قبل أن أذكِّرك بها.
وفي بعضها (أقبل) بلفظ الماضي وبدون (أن) في (أن يذكِّره) ؛ أي قال له زد من أمنيته الجنس الفلانيَّ وأمثالها، وأقبل الله تعالى بذكره للأماني وهو بدل من جملة (قال الله) .
و (رَبُّهُ) تنازع فيه العاملان.
ووجه الجمع بين رواية أبي هريرة وأبي سعيد رضي الله تعالى عنهما أنَّه أعلم أوَّلا في حديث أبي هريرة، ثمَّ بزيادة كرم الله، فأخبر به النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم ولم يَسْمعه أبو هريرة.
و (أن تَسْأَلَ) (أن) هي النَّاصبة، و (تسأل) منصوب، وقال الزَّركشيُّ (أن) هي المخفَّفة من الثَّقيلة، فعلى هذا (تسأل) مرفوع.
(وحتَّى إذا انقطع أمنيته يلبث يتمنَّى ثلاث أيَّام) كما في «مسند الإمام أحمد» .
و (وَيْحَ) كلمة رحمة، و (ويل) كلمة عذاب، وقيل هما بمعنى واحد.
[1] في الأصل (هذه) .