الكرمانيُّ أبو حنيفة يصح نكاح المحرم؛ لقصة ميمونة، وأُجيب بأنَّ ميمونة نفسها روت أنَّه تزوَّجها وهو حلال، فهي أعرف بالقضية من ابن عبَّاس؛ لتعلقها بها، وبأنَّ المراد من المحرم أنَّه في الحرم، يقال لمن هو في الحرم محرم وإن كان حلالًا، وأنشد البيت الآتي، ثم قال أي في حرم المدينة، وبأنَّ فعله معارض بقوله «لا ينكح المحرم» ، وإذا تعارضا؛ يرجح القول، وبأنَّ ذلك من خصائصه عليه السلام [1] .
أقول أخرج فيه حديث ابن عبَّاس أنَّه عليه السلام تزوَّج وهو محرمٌ، اعلم أنَّ الدارقطنيَّ رواه عن ابن عبَّاس من طريق أبي الأسود يتيم عروة، ومن طريق مطر الوراق، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوَّج ميمونة وهو حلالٌ، فهذه الرواية عنه موافقة لرواية غيره، وقد كان من المشايخ من يتأول قول ابن عبَّاس تزوَّجها محرمًا؛ أي في الشهر الحرام، أو في البلد الحرام، وذلك أنَّ ابن عبَّاس رجل عربي فصيح، يتكلم بكلام العرب، ولم يرد الإحرام بالحج، وقد قال الشاعر
~قتلوا ابن عفَّان الخليفة محرمًا
وذلك أنَّ قتله كان في أيام التشريق، انتهى
قال مغلطاي وفيه نظرٌ من حيث أنَّ كسرى بالإجماع كان كافرًا، ولم يدخل الحرم مرة في الدهر، وقد قالوا فيه
~قتلوا كسرى بليل محرمًا
إنَّما المراد منه قتلوه ظلمًا من غير وجوب دم عليه ولا ما يشبهه، فـ (محرمًا) يريد به حرامًا، انتهى
وقول مغلطاي يرد على القول الثاني؛ أي الأول، وقد قال ابن دريد أحرم الرجل إذا دخل في الشهر الحرام وإن لم يكن محرمًا، ثم ذكرالبيت المذكور، وذكر الاستشهاد في قتل كسرى، وهو
~قتلوا كسرى بليل محرمًا
واعلم أنَّه يرجح بأن يكون أحدهما _أي أحد الراويين_ المباشر للواقعة؛ كرواية أبي رافع في «الترمذي» نكح عليه السلام ميمونة وهو حلال، وكان أبو رافع السفير بينهما على رواية ابن عبَّاس المخرجة في الكتب الستة نكح ميمونة وهو حرامٌ، وبأن يكون صاحب القصة؛ كرواية ميمونة المخرجة في «أبي داود» (تزوَّجني عليه السلام ونحن حلالان بسرف) ، ولفظ مسلم عن ميمونة أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوَّجها وهو حلالٌ.
[1] «الكواكب الدراري» (19/ 88) .