391 -392 - 393 - إشارة (مَيْمُونِ بْنِ سِيَاهٍ) بالهاء في آخره، رُوِيَ مُنْصرفًا وغير منصرف، والظَّاهر الصَّرْف، وهو فارسيُّ، ومعناه بالعربيَّة الأسود، كان وَرِعًا صدوقًا.
قوله (فَذَلِكَ) مبتدأ.
و (المُسْلِمُ) خبره، أو الموصول مع صلته.
و (ذِمَّةِ اللهِ) أمان الله وضمانه، أو الذِّمام وهو الحُرْمة.
إن قلتَ لم اكتفى في النَّهي بذمَّةِ الله وحدَه ولم يذكر الرَّسولَ كما ذكر أوَّلًا؛ قلتُ ذكر الأصيليُّ لحصول المَقْصود به ولاستلزامه عَدَم إخفار ذمَّة الرَّسول، وأمَّا ما ذكره أوَّلًا للتَّأكيد وتحقيق عصمته مطلقًا، والضَّمير راجع إلى المسلم أو إلى الله تعالى.
و (الإخفار) نقض العَهْد.
الخطَّابيُّ معناه لا تخونوا اللهَ في تضييع حقٍّ من هذا سبيله.
قوله (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) إن قلتَ لا يَكْفي ذلك، بل لا بدَّ من انضمام (محمَّد رسول الله) إليه؛ قلتُ عبَّر على طريق الكناية عن الإقرار برسالته عليه السَّلام بالصَّلاةِ والاستقبال والذَّبح، إذ هذه الثَّلاثة من خواصِّ دينه؛ لأنَّ القائلين بـ (لا إلهَ إلَّا اللهُ) كاليهود والنَّصارى صلاتهم بدون الرُّكوع، وقبلتهم غير الكعبة، وذبيحتهم ليست كذبيحتنا.
أو يقال هذا الجزء الأوَّل من كلمة الشَّهادة، شعار لمجموعها كما يقال قرأتُ {الم* ذَلِكَ الكِتَابُ} [البقرة 1،2] ، والمراد كلُّ السُّورةِ.
إن قلتَ فحينئذِ لا يُحتاجُ إلى الأمور الثَّلاث؛ لأنَّ مجرَّدَ هذه الكلمة الَّتي هي شعار الإسلام محرَّمة الدِّماء والأموال؛ قلتُ الغرض منه بيان تحقيق القول بالفعل وتأكيد أمره، فكأنَّه قال إذا قالوها وحقَّقوا معناهَا بموافقةِ الفعل لها، فتكون محرَّمة.
إن قلتَ لم خصَّص هذه الثَّلاثة من بين سائر الأركان وواجبات الدِّينِ؛ قلتُ لأنَّه أظهرُها وأعظمُها وأسرعُها علمًا به، إذ في اليوم الأوَّل من الملاقاة مع الشَّخصِ يَعْلم صلاته وطعامَه غالبًا، بخلاف نحو الصَّوم، فإنَّه لا يَظْهر الامتياز بيننا وبينهم به، ونحو الحجِّ، فإنَّه قد يتأخَّر إلى شهور وسنين، وقد لا تجب عليه أصلًا، انتهى كلام الكرمانيِّ.
وقال غيره وإنَّما لم يذكر غير الصَّلاة من الأركان؛ لأنَّ الظَّاهر من حال الشَّخصِ أنَّه إذا صلَّى صلاتنا عن اعتقاد وتوجُّهٍ إلى قِبلتنا؛ يكون مُعْترِفًا لنبوَّة نبيِّنا ومصدِّقًا لرسالته صلَّى الله عليه وسلَّم، فلا يكون منكرًا لشيءٍ من أحكام الدِّين، فلا حاجةَ إذًا إلى ذكر سائرِ الأركان.
وقيل استغناء بالصَّلاةِ الَّتي هي عنوان الإسلام، وإيذانًا بأنَّ الواجبَ أن يكتفي بما يَظْهر من أمارات الإيمان وتفويض سرائرهم إلى الله سبحانه.
ويحتمل أن يكونَ هذا القول صادرًا من الرَّسول عليه السَّلام؛ حتَّى لم يكن غير الصَّلاة من الأركان واجبًا.
ج 1 ص 258
قوله (فَذَلِكَ) إشارة إلى (مَنْ) في قوله (مَنْ صَلَّى) ، وهو مبتدأ.
و (المُسْلِمُ) خَبَرُهُ، والموصول مع صلته صفة لـ (المسلم) ، والمجموع خَبَرُ (مَنْ) .
إشارة إنَّما لم يقل فلا يُخْفروا رسول الله عليه السَّلام؛ تعظيمًا للذِمِّيَّة بإضافتها إلى الله سُبْحانَه.
ويُحتمَل أن يكون في ذمَّته بدلًا من الله تعالى، ويُحتمَل أن يكون في ذمَّته بدلًا من الله كما في قوله تعالى {وَأَصْلِحْ لِيْ فِيْ ذُرِّيَّتِي} [الأحقاف 15] ، فيكون الضَّمير في ذمَّته بدلًا عن اللهِ سبحانه وتعالى.
إن قلتَ القتال ساقط عن أهل الجِزيَةِ مع أنَّهم لا يأتون بهذه الأمور؛ قلتُ تقدَّم جوابه في باب {فَإِنْ تَابُوا} [التَّوبة 5] الآية.
قوله (ذَبَحُوا) المراد ذبحوا المذبوح، مثل مذبوحنا؛ لأنَّ السِّياق يقتضي أن يقال أكلوا ذبيحتنا، انتهى.
وقال السَّخوميُّ قيل التَّاء ليست للتَّأنيثِ، بَلْ هي للجنس، كالشَّاة.
وقال الكرمانيُّ إن قلتَ «الفعيل» بمعنى «المفعول» يستوي فيه المذكَّر والمؤنَّث، فلم أُلِحقهُ بالتَّاء؛ قال لغَلَبَةِ الاسميَّة عليه اضمحلَّ مَعْنى الوصفيَّة عنه، أو أنَّ الاستواء فيه عندَ ذكر الموصوف معه، أمَّا عند انفراده عن الموصوف؛ فلا، انتهى.
قوله (مَا يُحَرِّمُ) ما استفهاميَّة، و (صَلَاتَنَا) مفعول به، وجاز أن يكون مفعولًا مطلقًا، وله أي من النَّفع وعليه؛ أي من المضرَّة، والتَّقديم يفيد الحصر؛ أي له ذلك لا لغيره.
إن قلتَ السُّؤال هو عن سبب التَّحريم، فما وجه مطابقة الجواب له؛ قلتُ المطابق له أن يقول هو الشَّهادة، وكذا وكذا ممَّا عُطِفَ عليها، فلمَّا علم منع ذلك؛ اكتفى به، فهو الجواب وزيادة.
خاتمة
قد وَرَدَ هذا الحديث في رواية أبي هريرة رضي الله تعالى عنه «أمرتُ أن أقاتل النَّاس حتَّى يقولوا لا إلهَ إلَّا اللهُ، فإذا قالوها؛ عصموا منِّي دماءهم وأموالهم إلَّا بحقِّها» .
ومن رواية ابن عمر رضي الله تعالى عنهمَا «أمرتُ أن أقاتل النَّاس حتَّى يقولوا لا إلهَ إلَّا اللهُ ويقيموا الصَّلاة ويؤتوا الزَّكاةَ، فإذا قالوها؛ عصموا منِّي دماءهم وأموالَهم» وإنَّما اختلفت الألفاظ فزادت ونقصت؛ لاختلاف الأحوال والأوقات الَّتي وقعت هذه الأقوال فيها، وكانت أمور الدِّين تُشرَعُ شيئًا فشيئًا، فخرج كلَّ قولٍ منها على الشَّرط المفروض في حِيْنِهِ، فصار كلٌّ منهَا في زمانه شرطًا لحقن الدم وحرمة المال فلا منافاة بين الروايات والاختلاف، والله تعالى أعلم.