ج 2 ص 182
تنبيه حُكي عن هشام بن السائب الكلبي أو ابنه أنه قال لما حضرت أبا طالب الوفاة، جمع إليه وجوه قريش، فأوصاهم، فقال يا معشر قريش، أنتم صفوة الله من خلقه وقلب العرب، فيكم السيد المطاع، وفيكم المقدَّم الشجاع، والواسع الباع، واعلموا أنكم لم تتركوا للعرب في المآثر نصيبًا إلا أحرزتموه، ولا شرفًا إلا أدركتموه، فلكم بذلكم على الناس الفضيلة، ولهم به إليكم الوسيلة، والناس لكم حزب، وعلى حزبكم إلب، وإني أوصيكم بتعظيم هذه البنية، فإن فيها مرضاة للرب، وقوامًا للمعاش، وثباتًا للوطأة، وصلوا أرحامكم، ولا تقطعوها، فإن في صلة الرحم منسأةً في الأجل، وزيادة في العدد، واتركوا البغي والعقوق، ففيهما هلكت القرون قبلكم، أجيبوا الداعي، وأعطوا السائل، فإن فيهما شرف الحياة والممات، عليكم بصدق الحديث، وأداء الأمانة، فإن فيهما محبة في الخاص، ومكرمة في العام.
وإني أوصيكم بمحمد خيرًا، فإنه الأمين في قريش، والصديق في العرب، وهو الجامع لكل ما أوصيكم به، وقد جاء بأمر قبله الجنان، وأنكره اللسان مخافة الشنآن، وايم الله كأني أنظر إلى صعاليك العرب، وأهل البر في الأطراف، والمستضعفين من الناس، قد أجابوا دعوته وصدقوا كلمته، وعظموا أمره، فخاض بهم غمرات الموت، فصارت رؤساء قريش وصناديدها أذنابًا، ودورها خرابًا، وضعافها أربابًا، إذا أعظمهم عليه أحوجهم إليه، وأبعدهم منه أحظاهم عنده، قد محضته العرب ودادها، وأصفت إليه فزادها، وأعطته قيادها.
دونكم يا معشر قريش ابن أبيكم، كونوا له ولاة، ولحزبه حماة، والله لا يسلك أحد منكم سبيله إلا رشد، ولا يأخذ أحد بهديه إلا سعد، ولو كان لنفسي مدة، ولأجلي تأخير، لكففت عنه الهزاهز، ولدفعت عنه الدواهي، ثم هلك.