فهرس الكتاب
ج 2 ص 375
إن قلت كيف طابق الحديث الترجمة، ولا معصية ثمَّة؟
قلت لعلَّ البخاري أراد قياس هجران الشخص للأمر المخالف للشريعة على هجران اسمه للأمر المخالف للطبيعة.
قال ابن بطال غرضه في هذا الباب أن يبيِّن صفة الهجر الجائز، وأن ذلك متنوع على قدر الأسباب، فما كان لمعصية ينبغي هجره مطلقًا؛ كما في حديث كعب وما كان لمعاتبة بين الأهل والإخوان فهجر عن التسمية ونحوها؛ كما فعلته عائشة، وقال فإن قيل لا يهجر عن أهل الشرك فلم يهجر عن الفاسق والمبتدع؟
قلت لله أحكام فيها مصالح للعباد وهو أعلم بأسبابها وعليهم التسليم لأمره فيها؛ لأن له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين.
أقول الهجر القلبي من الكافر واجب على المؤمن وأما المكالمة ونحوها فلمصلحة المعاملات وغيرها وللحاجة إليها وأيضًا الكافر لا يرتدع بالهجر منه عن كفره بخلاف الفاسق وأهل البدعة فإنهما ينزجران غالبًا به مع أن الأولى أن يهجر الكافر أيضًا.
قال القاضي مغاضبة عائشة رضي الله تعالى عنها من الغيرة التي عفا الله النساء [1] ، ولولا ذلك؛ لكان عليها في ذلك من الحرج ما فيه؛ لأن الغضب على النبي صلى الله عليه وسلم كبيرة عظيمة، وفي قولها (إلا اسمك) دلالة على أن قلبها مملوء من المحبة وإنما الغيرة في النساء لفرط المحبة.
[1] في «الكواكب الدراري» (21/ 210) (التي عفا عنها النساء) .