فهرس الكتاب

الصفحة 6714 من 6723

(56)(بَابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى{وَاللهُ خَلَقَكُمْ}... )؛ التَّرجمةَ.

قولُهُ ( {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} ) تقديرُهُ خلقْنَا كلَّ شيءٍ بقدرٍ، فيلزمُ منهُ أنْ يكونَ اللهُ تعالى خالقُ كلِّ شيءٍ.

إنْ قُلتَ قولُهُ تعالى {وَمَا تَعْمَلُونَ} فيهِ دلالةٌ على أنَّ بعضَهُ بعملِنا حيثُ أسندَ إلينا.

قُلتُ العملُ غيرُ الخلقِ وهو المسمَّى بالكسبِ؛ أي ما يكونُ مسنَدًا إلى العبدِ مِن حيثُ إنَّ لهُ قدرةً، ومسنَدًا إلى اللهِ تعالى [مِن حيثُ إنَّ وجودَهُ بتأثيرِهِ، فلهُ جهتانِ؛ بأحدِهما يُنفَى الجبرُ، وبالأُخرى يُنفَى القدرُ، وحاصلُهُ أنَّهُ مُسنَدٌ إلى اللهِ تعالى] [1] حقيقةً وإلى العبدِ عادةً.

إنْ قُلتَ القدرةُ صفةٌ تؤثِّرُ على وَفقِ الإرادةِ، فإذا انتفى التَّأثيرُ فلا يبقَى لإثباتِ القدرةِ معنًى.

قُلتُ التَّعريفُ غيرُ جامعٍ؛ لخروجِ القدرةِ الحادثةِ عنهُ، بل هي صفةٌ يترتَّبُ عليها الفعلُ أو التَّركُ عادةً، فكلُّ ما أُسنِدَ مِن أفعالِ [2] العبادِ إلى اللهِ تعالى فهوَ بالنَّظرِ إلى التَّأثيرِ، ويقالُ لهُ الخلقُ، وما أُسنِدَ إليهِم فهوَ بالنِّسبةِ إلى قدرتِهِم، ويقالُ لهُ الكسبُ، وقد يُعبِّرُ عنهُ بعضُهُم بأنَّ الإضافةَ إلى اللهِ تعالى باعتبارِ الفاعليَّةِ، وإلى العبدِ باعتبارِ المحلِّيَّةِ [3] .

إنْ قُلتَ فلِمَ يُذمُّ ويُمدَحُ؟

قُلتُ كما يُذمُّ المبروصُ ويُمدحُ صاحبُ الجمالِ.

إنْ قُلتَ فلِمَ يُحكَمُ بأنَّهُ يُثابُ بهِ ويُعاقَبُ بهِ؟

قُلتُ لأنَّهُ علامةٌ لهُما.

إنْ قُلتَ التَّعذيبُ في مثلِهِ يكونُ قبيحًا.

قُلتُ لا حكمَ للعقلِ فيهِ، والعبدُ ملكُهُ فلهُ أنْ يفعلَ فيهِ ما شاءَ ويحكمَ ما يريدُ.

(وَيُقَالُ لِلْمُصَوِّرِينَ أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ) هذا لفظُ الحديثِ لكنَّ البخاريَّ أظهرَ مرجعَ الضَّميرِ؛ إذ في الحديثِ لفظُ (لهُم) [4] .

إنْ قُلتَ أسندَ الخلقَ إليهِم، فبعضُ الأشياءِ ليسَ مخلوقًا للهِ تعالى.

قُلتُ هذا القولُ على سبيلِ الاستهزاءِ والتَّعجيزِ.

و (بَيَّنَ اللهُ) أي فرَّقَ بينَهُما؛ حيثُ عطفَ أحدَهُما على الآخرِ، وكيفَ لا، والأمرُ قديمٌ والخلقَ حادثٌ؟!

وفيهِ أنْ لا خلقَ لغيرِ اللهِ تعالى؛ حيثُ حصرَ على ذاتِهِ بتقديمِ الخبرِ على المبتدأِ.

( {جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} ) منَ الإيمانِ وسائرِ الطَّاعاتِ، فسمَّى الإيمانَ عملًا حيثُ أدخلَهُ في جملةِ الأعمالِ.

(جُمَلٌ) أي أمورٌ كلِّيَّةٌ مجملَةٌ.

(بِالْإِيمَانِ) أي بتصديقِ الرَّسولِ عليه السَّلامُ بما عُلِمَ مجيئُهُ ضرورةً.

و (بِالشَّهَادَةِ [5] ) أي كلمةِ التَّوحيدِ.

(فَجَعَلَ) أي النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ.

(كُلَّهُ) [و] مِن جُملتِهِ الإيمانُ عملًا [6] .

[1] ما بين معقوفين من مصدره.

[2] في الأصل (الأفعال) ، ولعلَّ المثبت هو الصواب.

[3] انظر «شرح المواقف» (3/ 222) .

[4] رواه الشيخان؛ البخاري (5181) ، ومسلمٌ (96) (2107) في «صحيحيهما» من حديث سيِّدتنا عائشة رضي الله عنها.

[5] كذا في الأصل تبعًا لمصدره، والروايةُ (والشهادةِ) .

[6] انظر «الكواكب الدراري» (25/ 240 - 241) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت