477 -لعلَّ البخاريَّ أراد بهذا الرَّدَّ على الحنفيَّة حيث قالوا بامتناع اتِّخاذ المَسْجد في الدَّارِ المحجوبة عن النَّاس.
قال ابن المنيِّر إن قلتَ مَا مطابقة التَّرجمة لحديثِ ابن عَوْن ولم يصلِّ في سوق، والحديث ليس فيه المَسْجد في السُّوق.
قلتُ أراد البخاريُّ إثبات جواز بناء المسجد داخل السُّوق؛ لئلَّا يتخيَّل أنَّ المسجد في المكان المحجوز لا يسوغ، كما أنَّ مَسْجد الجمعة لا يجوز ان يكون محجوزًا، فنبَّه بصلاة ابن عَوْن على أنَّ المسجد الَّذي صلَّى فيه كان محجوزًا، ومع ذلك؛ فله حكم المساجد، ثمَّ خصَّ السُّوق في التَّرجمةِ؛ لئلَّا يتخيَّل أنَّها لمَّا كانت شرَّ البِقاع وبها مركز الشَّيطان؛ رأيته يمنع ذلك من اتِّخاذ المساجد فيهَا، وينافي العبادة كما نافتها الطُّرقات ومواضع العذاب والحمَّام وشِبهه، فبيَّن بهذا الحديث أنَّها محلٌّ للصَّلاةِ كالبُيوت، فإذا كانت محلًّا للصَّلاةِ؛ جاز أن يُبْني فيهَا المسجد، والله تعالى أعلم.
فائدة قوله (صَلَاةُ الجَمِيْعِ) أي في الجميع، يَعْني صلاة الجماعة تزيد على صلاة الرَّجل المنفرد، وقد عبَّر عن الانفراد بكونه في البيت أو السُّوق إذ الغالب أنَّ صلاةَ الرَّجل فيها تكون بالانفراد.
فإن قلتَ صحَّ في رواية أخرى (سَبْعًا وعشرين درجةً) ، فما وجه الجمع بينهمَا.
قلتُ وجوه أحدها أنَّه لا منافاة بينهمَا إذ ذكرُ القليل لا يَنْفي الكثير؛ لأنَّ مفهوم العدد لا اعتبارَ له، ثانيها أن يكون أخبر أوَّلًا بالقليل وأعلمه الله سبحانه بزيادة الفضل، فأخبر به، ثالثها أنَّه يختلف باختلاف أحوال المصلِّين بحسب كمال الصَّلاة ومحافظته على هيآتها وخشوعها وكثرة جماعتها وشرف البُقعة ونحوها.
إن قلتَ هل عُلِمَ من التَّخصيص بعدد الخمسة والعشرين مناسبة.
قلتُ الأسرار الَّتي في أمثال هذه الأمور لا يعلمها حقيقةً إلَّا الشَّارع، لكن يُحتمَل أن يقال وجه المناسبة أنَّ عدد الصَّلاة المفروضة في اللَّيل والنَّهار خمسة، فأُرِيدَ التَّكثير عليها بتضعيفها بعدد نفسها مبالغة فيهَا، فكأنَّه قال كلُّ صلاةٍ من الخمس بالجماعة يزيد ثوابها على ثواب تلك الصَّلاة، وبعدد جميع الصَّلوات في يومه وليلته بعد تضعيفها خمس مرَّات الَّتي هي عدد جنسها المَفْروضة، إذا كانت بدون الجماعة، أو لأنَّ الأربعة هي كمالُ نِصابِ العدد الَّذي يمكن أن تُؤلَّف منه العشرة؛ لأنَّ فيهَا واحدًا واثنين وثلاثة وأربعة، وهذا المجموع عشرة، ومن العشرات والمئات ومنها الألوف، فهي أصلُ جميع مراتب الأعداد، فزيد فوق الأصل واحدًا آخر إشارة إلى المبالغة في الكثرة.
وأمَّا رواية (سَبْع وعشرين) ؛ فيُحتمَل أن يكونَ ذلك لمناسبة أعداد ركعات اليوم واللَّيل، إذ الفرائض سبع عشر، والرَّواتب المؤكَّدة المداوم عليها عَشَرة، وإنَّما لم يعتبر أقلَّ الوتر، وهو إمَّا واحد أو ثلاث، فلعلَّ الوتر شُرِع بعد ذلك.
قوله (فَإِنَّ أَحَدَكُمْ) وفي بعضها (بأنَّ أحدكم) قالها للمصاحبة، فكأنَّه قال يزيد على صلاته بخمس وعشرين درجة مع فضائلَ أخرى، وهي رفع الدَّرجات وصلاة الملائكة، ويُحتمَل أن تكون للسَّببيَّة.
قوله (فَأَحْسَنَ) أي أسبغ الوضوء برعاية السُّنن والآداب.
إن قلتَ لو أراد الصَّلاة بالاعتكاف مثلًا؛ هل يَدْخل تحت هذا الحكم أم لا.
قلتُ نعم، إذ المراد من الحَصْر أنَّه لا يريد إلَّا العبادة.
ولمَّا كان الغالب منها الصَّلاة فيه؛ ذكر لفظ الصَّلاة ولفظة (مَا) في (مَا كَانَتْ) للدَّوام؛ أي ما دام، كأنَّ الصَّلاة حابسة له في المَسْجد.
قوله (ما لم يؤذ فيه) أي الملائكة.
(يؤذ) مجزوم بأنَّه بدل من (يُحْدِث) ومرفوع بأنَّه استئناف، وفي بعضها (يُحْدِث) بلفظ الجارِّ والمجرور متعلِّقًا بـ (يؤذ) .
إشارة قال ابن بطَّال فيه أنَّ الصَّلاةَ فيه للمنفرد درجة من خمس وعشرين درجة.
أقول لم يقل تُساوي صلاته مُنْفردًا خمسًا وعشرين حتَّى يكون له درجة منها، بل قال يزيد، فليس للمنفرد من الخمسة والعشرين شيء، والله تعالى أعلم.
خاتمة
(خُطْوَةً) بفتح الخاء وضمِّها، والرِّواية بالضَّمِّ؛ قاله القرطبيُّ.
وقال ابن التين رويناه بفتحها المرَّة الواحدة.
الجوهريُّ الخُطوة بالضَّمِّ ما بين القدمين، والخَطوة بالفتح المرَّة الواحدة.
ج 1 ص 288
وقوله (مَا لَمْ يُحْدِثْ) أي حَدَثَ الوضوء أو حَدَثَ الإثم.
و (اللَّهُمَّ) تقديره قائلين اللَّهمَّ، إذ لا يصحُّ المعنى إلَّا به، وقيل إنَّه بيان للصَّلاة.