780 - [قوله (إذا أمَّن الإمام فأمِّنوا) فيه دليل على استحباب مقارنة الإمام في التَّأمين، فإنَّ المراد إذا أراد التَّأمين؛ فأمِّنوا؛ جَمْعًا بينه وبين حديث أبي هريرة، إذا قال الإمام {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة7] ؛ فقولوا آمين.
وهذا كقولهم إذا رحل الأمير؛ فارحلوا؛ أي إذا تهيَّأ للرَّحيل؛ فتهيَّؤوا ليكون رحيلكم معه، وبيانه في حديث «إذا قال أحدكم» إلى آخره.
وظاهره الأمر بوقوع الجميع في حالة واحدة، فهو أَجْمع بين الأحاديث، وأبعدَ من قال المراد بقوله عليه السَّلام «إذا أمَّن» إذا قال آمين، وكذا قول من قال المراد إذا دَعَا بقولهِ الصِّراطَ المُسْتقيم.
قوله (إذا قالت الملائكة آمين) هل هم الحفظة أو غيرهم من أهل السَّماء؟ قولان، واحتجَّ للثَّاني برواية وقالت الملائكة في السَّماء آمين.
وأجاب الأوَّل بأنَّه إذا قالها الحاضرون من الحفظة؛ قالها من فوقهم حتَّى يَنْتهي إلى أهل السَّماء]. [1]
ج 1 ص 364
قوله (مَنْ وَافَقَ) الموافقة في القول أو الخشوع والإخلاص، أو وافق الملائكة في استجابة الدُّعاء أو في لفظه، وهم الحفظة أو المتعاقبون.
قال السُّبكيُّ الظَّاهر أنَّ المراد الموافقة في الزَّمان لا في الصِّفات من الإخلاص وغيره، وسيأتي كلام الكرمانيِّ.
إشارة قوله (فَأَمِّنُوا) يريد لمن قَرُبَ منه؛ لأنَّ جهرَ الإمام بالتَّأمين أخفض منه بالقراءة، فقد يَسْمع قراءته من لا يَسْمع تأمينَه.
فائدة اختلف العلماء في تأويل حديث أبي هريرة هذا على قولين الأوَّل أنَّه خطاب للمأمومين أن يقولوا آمين، الثَّاني معناه إذا بلغ الإمامُ مَوْضعَ التَّأمين، وهو قوله {وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة7] وقال آمين؛ فقولوا آمين، واحتجُّوا بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه مرفوعًا «إذا قال الإمام {غير المغضوب عليهم ولا الضَّالِّين} [الفاتحة7] ؛ فقولوا آمين، فإنَّ الملائكة تقول آمين، وإنَّ الإمام يقول آمين» ، فهذا فعلُه، وهو رأي الحديث، فلا تعارضَ إذن بين هذا الحديث وبين قوله «إذا أمَّن الإمام؛ فأمِّنوا» ، وسيأتي.
إشارة قال الكرمانيُّ (آمِينَ) يُمَدُّ ويُقصَر، والميم مخفَّفة، قالوا وتشديدها خطأ، انتهى
قلتُ وحكى الواحديُّ مع المدِّ للإمالة، وأمَّا التَّشديد؛ فاختلفوا في بُطْلان الصَّلاة بها، فذهب المتولِّي والرويانيُّ إلى ذلك.
وقال أبو محمَّد ونصر المقدسيُّ لا تبطل بذلك وإن تعمَّد، ورجَّحه النَّوويُّ.
تنبيه وقع في «شرح المنهاج» للدميريِّ قال البخاريُّ قال عطاء أمَّن ابن الزُّبير ومروان، انتهى.
وهذا خطأ، ولا أعرفه رواية، وإنَّما الرِّواية (ومن وراءه) انتهى.
قوله (لَلَجَّةً) في بعضها جَلَبَة.
(لَا تَفُتْنِي) لا تَسْبقني.
خاتمة قال الكرمانيُّ (من وافق) معناه وافقهم في وقت التَّأمين فأمَّن مع تأمينهم؛ أي وقعا في زمان واحد.
وقيل المراد الموافقة في الصِّفة من الخشوع والإخلاص، سواء كانا معًا أم لا، وإنَّما يأجر الله سبحانه على الاتِّفاق في القول والنِّيَّة، لا على اتِّفاقها في الزَّمان.
واختلفوا في هؤلاء الملائكة؛ فقيل هم الحفظة، وقيل غيرهم؛ لقوله عليه السَّلام «فوافق قوله قول أهل السَّماء» ، والأَوْلى أن يقال هم جميع الملائكة، بدليل عموم اللَّفظ؛ لأنَّ الجمع المحلَّى بالألف واللَّام يفيد الاستغراق بأن يقولها الحاضرون من الحفظة ومن فوقهم حتَّى ينتهي إلى الملأ الأعلى والسَّماوات.
(مَا تَقَدَّمَ) (ما) لفظ عامٌّ فيقتضي عموم مغفور الذُّنوب إلَّا مَا يتعلَّق بحقوق النَّاس، فإنَّها لا تُغفَر بقوله آمين، وذلك مَعْلوم من الأدلَّة الخارجيَّة المخصِّصة لعموميَّات مثله.
وعموم اللَّفظ يقتضي مغفرة الكبائر، ويُستدَلُّ بالعامِّ ما لم يظهر المخصَّص؛ قاله الكرمانيُّ، انتهى.
وقال ابن بزيزة أشار بذلك إلى الصَّغائر وما لا يكاد يَنْفكُّ عنه في الغالبِ من اللَّمم.
قال الدَّاوديُّ وقوله هذا قبل قوله في المؤمن أنَّه يخرج من ذنوبه ويكون مشيه إلى الصَّلاة نافلة.
وقيل أنَّه يمكن أن يكون أحدث شيئًا في مَشْيه أو في المَسْجد أو غير ذلك فيما بين الوضوء والصَّلاة، وهو فيما بين العباد وربِّهم.
الخطَّابيُّ فيه أنَّه عليه السَّلام كان يَجْهر بالتَّأمين، ولولا ذلك؛ لم يصحَّ مَعْنى التَّوقيت فيه؛ لأنَّه قد يختلف، فيتقدَّم تأمين القوم ويتأخَّر.
وقال والفاء في (فَإِنَّهُ قَدْ وَافَقَ) للتَّعليلِ، وكأنَّه قال إذا أمَّن؛ فقولوا آمين كما تقوله الملائكة، فإنَّ من وافق تأمينه تأمينهم؛ غُفِرَ له، ولولاه؛ لم يصحَّ تعليله بما عقَّبه من حَرْف الفاء.
[1] ما بين معقوفين منقول من الخاتمة (ص 314/ب) .