فهرس الكتاب

الصفحة 120 من 6723

67 -وقال الكرمانيُّ هذا الحديث رواه معلَّقًا، وهو إمَّا بمعنى الحديث الَّذي ذكره بعده بالإسناد، فهو من باب نقل الحديث بالمعنى، وإمَّا أنَّه ثبت عنده بهذا اللَّفظ من طريقٍ آخرٍ.

تنبيه عقد البخاريُّ هذا الباب لينبِّه على أنَّه يجوز التَّحمُّل من غير فقهٍ إذا ضبط ما يحدث به، ويُعَدُّ في زُمْرة أهل العلم [1] .

قوله (وَلْيُبَلِّغَ الشَّاهِدُ) أي الحاضرُ في المجلس الغائبَ عنه، وهو على صيغة الأمر بالعين المكسورة، وظاهر الأمر للوجوب، يُعْلَم منه أنَّ التَّبليغ واجبٌ، والمراد منه إمَّا يبلِّغ المذكور وهو (إنَّ دماءكم ... ) إلى آخره، وإمَّا يبلِّغ جميع أحكام الشَّريعة، والغائب مفعول ليبلِّغ، والظَّاهر أنَّ (إلى) فيه مقدَّر؛ أي إلى الغائب.

قوله (عَسَى أَنْ يُبَلِّغَ) فِيْهِ أنَّه يقرُّ بأنَّ في الزَّمن الأخير من يكون له فهمٌ في العلم ما ليس لمن تقدَّمه، إلَّا أنَّه يكون قليلًا؛ لأنَّ (رُبَّ) للتَّقليل، و (عسى) للطَّمع، وليست موضوعةٌ لتحقُّق الشَّيء [2] ؛ قاله المهلَّب.

قوله (مِنْهُ) صلةٌ لأفعل التَّفضيل، وصلته كالمضاف إليه، لكنَّه جاز الفصل بينهما بـ (له) ؛ لأنَّ في الظُّروف سعةً كما جاز الفصل بين المضاف والمضاف إليه، وقد أُجيزَ الفصل بينهما أيضًا بغير الظَّرف إذا لم يكن أجنبيًّا من كلِّ وجهٍ.

فائدة (أَعْرَاضَكُمْ) جمع عرض، موضع المدح والذَّمِّ من الإنسان، سواءٌ كان في نفسه أو في سلفه، وحيث كان المدح نسبة الشَّخص إلى الأخلاق الحميدة، والذَّمُّ نسبة إلى الأخلاق الرَّديئة.

قال من قال العرض الخلق إطلاقًا لاسم اللَّازم على الملزوم.

وقيل العرض الحسب؛ أي لا يجوز القدح في العرض كالغيبة، وذلك كالقتل في الدِّماء والغصب في الأموال، وإنَّما شبَّهها في الحرمة باليوم والشَّهر وبالبلد أيضًا، وفي بعض الرِّوايات؛ لأنَّهم لا يرون استباحة تلك الأشياء وانتهاك حرمتها بحالٍ، إنَّما قدَّم السُّؤال عنها بأيِّ يومٍ وأيِّ شهرٍ؛ تذكارًا للحرمة ولتقريرها في نفوسهم؛ ليبني عليه ما أراد تقريره على سبيل تأكيد الحرمة وتشديدها.

ولم يذكر هنا السُّؤال عن البلد، وقد ذكره في الحجِّ، فلعلَّه من تقصيرٍ وقع هنا من بعض الرُّواة.

وذكره أيضًا من طريق ابن عمر وابن عبَّاس رضي الله تعالى عنهما، كما ستعلمه في موضعه، لكن في حديث

ج 1 ص 92

ابن عبَّاس أنَّهم أجابوه بقولهم هذا يومٌ حرامٌ وبلدٌ حرامٌ وشهرٌ حرامٌ، وهو مخالفٌ للمذكور هنا، وحديث ابن عمر أيضًا أنَّهم سكتوا حتَّى ظنُّوا أنَّه سيسمِّيه بغير اسمه، ويحتاج إلى جمع بينهما، فيقال يحتمل أن تكون الخطبة متعدِّدة، وأجاب في الثَّانية من علم في الأولى سؤاله عمَّا هو مَعْلومٌ، وسكوته المراد به التَّعظيم والتَّنْبيه على عظم مرتبة هذا اليوم والشَّهر والبلد.

وقولهم في حديث ابن عبَّاس (قلنا الله ورسوله أعلم) فيه دلالةٌ على حسن آدابهم؛ لأنَّهم علموا أنَّه لا يخفى عليه جواب مَا سأل عنه، فعرفوا أنَّه ليس المراد الإخبار عمَّا يعرفون [3] ؛ قاله الكرمانيُّ.

وقال شيخنا الجمع بينهما أنَّ الطَّائفة الَّذين منهم ابن عبَّاس أجابوا، والطَّائفة الَّذين كان منهم أبو بكرة لم يجيبوا، بل قالوا (الله ورسوله أعلم) .

أو تكون رواية ابن عبَّاس بالمعنى؛ لأنَّ في حديث أبي بكرة عند المصنِّف في الحجِّ، وفي «الفتن» أنَّه لمَّا قال (أليس يوم النَّحر؟ قالوا بلى) ، فقولهم (بلى) بمعنى قولهم يوم حرام، بالاستلزام، أو غايته أنَّ أبا بكرة نقل السِّياق بتمامه، واختصره ابن عبَّاس، وكان ذلك سبب قرب أبي بكرة منه؛ لكونه كان آخذًا بخطام الناقة، وقول الكرمانيِّ يحتمل التَّعدد يحتاج إلى دليلٍ فإنَّ في حديث ابن عمر عند البخاريِّ في الحجِّ أنَّ ذلك كان يوم النَّحر، بين الجمرات في حجَّته.

خاتمة

قال المهلَّب فيه من الفقه أنَّ العالم واجبٌ عليه تبليغ العلم لمن لم يبلغه، وتبيينه لمن لا يفهمه، وهو الميثاق الَّذي أخذه الله على العلماء.

[1] انظر «التوضيح» (3/ 318) .

[2] «التوضيح» (3/ 318) .

[3] انظر «التوضيح» (3/ 319) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت