فهرس الكتاب
946 - (مِنَ الأَحْزَابِ) سُمِّيَ ذلك العسكر بالأحزاب؛ لأنَّهم تألَّفوا من قبائل العرب.
والضَّمير في (بَعْضُهُمْ) الأوَّل عائد إلى الأحد وفي الثَّاني والثَّالث إلى البعض.
(بَلْ نُصَلِّي) في بعضها (نصلِّ) بحذف الياء تخفيفًا نحو {وَالْلَّيْلِ إِذَا يَسْرِ} [الفجر4] .
(لَمْ يُرِدْ) مَبْنيٌّ للمفعول مضارع الأفعال؛ أي المراد من (لا يصلِّيَنَّ أحد) لازمه، وهو الاستعجال في الذَّهاب إلى بني قريظة، لا حقيقة ترك الصَّلاة أصلًا.
ولم يعنِّفهم عليه السَّلام على مخالفة النَّهي؛ لأنَّه فهموا منه الكناية عن العجلة، ولا التَّاركين
ج 1 ص 397
للصَّلاة المؤخِّرين عن أوَّل وقتها لحملهم النَّهي على ظاهره.
ابنُ بطَّالٍ اختلفوا في صلاةِ الطَّالبِ على الدَّابَّة بعدَ اتِّفاقهم على جواز صلاة المطلوب راكبًا؛ فذهب الشَّافعيُّ وأحمد إلى أنَّه لا يصلِّي راكبًا، ومالك إذا خاف فوت العدوِّ إن نزل؛ صلَّى راكبًا حيث توجَّه.
وأمَّا استدلال الوليد بقصَّة بني قريظة على صلاة الطَّالب راكبًا؛ فلو وُجِدَ في بعض طرق الحديث أنَّ الَّذين صلَّوا في الطَّريق ركبانًا؛ لكان بيِّنًا، ولمَّا لم يوجد ذلك؛ احتمل أن يقال أنَّه يستدلُّ بأنَّه كما ساغ للَّذين صلَّوا في بني قريظة ترك الوقتِ، وهو فرض كذلك ساغ للطَّالب أن يصلِّي في الوقت راكبًا بالإيماء، ويكون تركه للرُّكوع والسُّجود كترك الوقت.
وقال قد يقال أُرِيدَ بقوله (لا يصلِّيَنَّ) إزعاج النَّاس إليها لما كان أخبره جبريل أنَّه لم يضع السِّلاح بعدُ وأمره ببني قريظة.
أقول ليس في الحديث ما يدلُّ على ترك الرُّكوع، ولا ما يدلُّ على ترك الوقت، فلا استدلالَ له فيه أصلًا، بَلْ ظاهر لفظ البخاريِّ حيث قال احتجَّ الوليد بقوله (لا يصلِّيَنَّ) مُشْعرٌ بأنَّ احتجاجه على أنَّه لا يصلِّي في الطَّريق راكبًا خلاف ما قال الأوزاعيُّ.
وقال شارحُ تراجم الأبواب وجه استدلاله به أنَّه لو حُمِلَ الحديث على أنَّ الطَّائفة المصلِّية نزلوا وصلَّوا؛ لكان ذلك مُضَادًّا للأمر، ولا يُظَنُّ بالصَّحابة ذلك، وإذا جاز للطَّالبِ الصَّلاة راكبًا؛ فالمَطْلوب أولى، وهذه صلاة الرُّكْبان مُقْتضية للإيماءِ بها، طابق الاستدلال من الحديث على التَّرجمة.
أقول هذا معارَضٌ بأنَّه لو حُمِلَ على أنَّ الطَّائفة الغير المصلِّية تركوا الرُّكوع والسُّجود؛ لكان ذلك مضادًّا لقوله تعالى {ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} [الحج77] ، ولا يُظَنُّ بهم ذلك.
الخطَّابيُّ هذا ممَّا يَحْتجُّ به من يرى تساوي الأدلَّة، وأنَّ كلَّ مُجْتهدٍ مُصيبٌ، وليس الأمر على ما ذهب إليه، بَلْ هو عامٌّ خُصَّ بنوع من الدَّليل.
وحاصله أنَّ الأمر بإقامة الصَّلاة في بني قريظة لا يُوجِب تأخُّرها عن وقتها الَّذي أمر بإقامتها على عموم الأحوال فيه، فكأنَّه قال صلُّوا في بني قريظة إلَّا أن يدرِكَكُم عذر فأخِّروها إلى آخر وقتها.
النَّوويُّ لا احتجاج فيه على إصابة كلِّ مجتهدٍ؛ لأنَّه لم يصرِّح بإصابة الطَّائفتَين، بَلْ ترك تعنيفهما، ولا خلاف في ترك تَعْنيف المجتهد وإن أخطأ إذا بذل وسعه.
قال وأمَّا اختلافهم؛ فسببه أنَّ الأدلَّة تعارضت عندهم، فإنَّ الصَّلاة مأمور بها في الوقت.
والمَفْهوم من (لا يصلِّينَّ) المبادرة بالذَّهاب إليهم، فأخذ بعضهم بذلك، فصلَّوا حين خافوا فوتَ الوقتِ، والآخرون بالآخر فأخَّروها.
أقول فهذه التَّوجُّهات الثَّلاث تفرق بينها بأنَّ هذه يلزم منها ترك الوقت فقط، ومن الأوَّل ترك الوقت وترك الرُّكوع، ومن الثَّانية لا شيء منهما، ثمَّ التَّعنيف لو كان؛ فهو إمَّا لحمل الكلام على الكناية وعدمها، وإمَّا لترك أحد الواجبين، وإمَّا لتخصيص أحد العامَّين، وإمَّا لتَرْجيح أحد الدَّليلين على الآخر.
إن قلتَ رواية مسلم (لا يصلِّينَّ أحد الظُّهر) فما وجه الجمع بينهما؟
قلت قالوا هو محمولٌ على أنَّهُ كان بعد دخول وقت الظهر، وقد صلَّى بعضهم الظهرَ بالمدينة، فقيل لهم لا تصلُّوا العصر إلَّا فيهم، والَّذين لم يصلُّوا الظُّهر لا تصلُّوا الظُّهر إلَّا فيهم، أو قيل للجميع لا تصلُّوا الظُّهر والعَصْر إلَّا فيهم، أوْ للَّذين ذهبوا أوَّلًا
ج 1 ص 398
لا تصلُّوا الظُّهر والَّذين ذهبوا بعدهم لا يصلُّوا العَصْر.
وهذا الحديث من مغاليقِ الكلام، ومضائق الأفهام، ومزالِّ الأقدام.