فهرس الكتاب
71 -لطيفة (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ) روي أنَّ مالكًا لم يكتب إلى أحدٍ وعنونه بالفقيه إلَّا إليه، قال إنِّي نذرتُ أنِّي كلَّما اغتبتُ إنسانًا أصوم يومًا، فأجهدني، وفي رواية فهان عليَّ، فكنتُ أغتاب وأصوم، فنذرتُ كلَّما اغتبتُ أتصدَّق بدرهم، فمن حبِّ الدِّرهم؛ تركتُ الغيبة.
قوله (خَطِيْبًا) حالٌ من المفعول؛ لا من الفاعل؛ لأنَّه أقرب، ولأنَّ الخطبة تليق بالولاة.
إن قلتَ المسموع هو الصَّوت لا الشَّخص.
قلتُ قال الزَّمخشريُّ تقول سمعتُ رجلًا يقول كذا، فتُوقِع الفعل على الرَّجل، وتحذف المسموع؛ لأنَّك وصفته بالسَّمع، أو جعلته حالًا عنه، فأغناك عن ذكره، ولولا الوصف أو الحال؛ لم يكن منه بدٌ، وأن يقال سمعتُ قول فلان.
قوله (يُرِدِ) بضمِّ الياء مشتقٌّ من الإرادة، وهي عند الجمهور صفةٌ مخصَّصةٌ لأحد طرفي المقدور بالوقوع، وقيل إنَّها اعتقاد النَّفع أو الضَّرر، وقيل ميلٌ يتبعه الاعتقاد، وهذا لا يصحُّ في الإرادة القديمة.
قوله (خَيْرًا) أي منفعة، وهي اللَّذَّة، أو ما يكون وسيلة إلى اللَّذَّة، وفائدة تنكيره التَّعميم؛ لأنَّ النَّكرة في سياق الشَّرط كالنَّكرة في سياق النَّفي، فالمعنى من يُرِدِ الله به جميع الخيرات [1] ، أو التَّعظيم؛ إذ المقام يقتضي ذلك، نحو
~ له حاجب عن كلِّ أمر يشينه
فائدة قوله (قَالَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) كذا وقع هنا في جميع النُّسخ بلفظ (قال) ، ولم يذكر فيه لفظ السَّماع، وجاء في «مسلم» (عن ابن شهاب حدَّثني حميد) [2] بلفظ التَّحديث، وأثبت الدِّمياطيُّ نسخه هنا، وقد اتَّفق أصحاب الأطراف وغيرهم على أنَّه من حديث ابن شهاب عن حميد [3] ، وقد وقع في «البخاريِّ» مثل هذا في (كتاب التَّوحيد) في (باب قوله عليه السَّلام رجلٌ آتاه الله القرآن) فقال فيه حدَّثنا عليٌّ بن عبد الله، حدَّثنا سفيان قال الزُّهريُّ ... وذكر الحديث، ثمَّ قال [4] سمعتُ من سفيان مرارًا، لم أسمعه يذكر الخبر، وهو من صحيح حديثه [خ¦7529] لكن يمكن أن يقال سفيان مدلِّس، فنبَّه عليه لأجل ذلك؛ قاله ابن الملقِّن [5] .
وقد وقع في (باب تعليم الرَّجل أمته وأهله) حدَّثنا محمَّد بن سلام حدَّثنا المحاربيُّ حدَّثنا صالحٌ
ج 1 ص 94
ابن حيَّان قال عامر الشَّعبيُّ حدَّثني أبو بردة [خ¦97] .
قوله (يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ) (الفقه) لغةً الفهم.
وعرفًا العلم بالأحكام الشَّرعيَّة الفرعيَّة المكتسبة من أدلَّتها التَّفصيليَّة بالاستدلال.
ويناسب المقامَ المعنى اللُّغويُّ؛ ليتناول كلَّ علمٍ مِنْ علوم الدِّين.
وقال بعضهم أي يجعله الله تعالى عالمًا بأحكام الشَّريعة ومستنبطًا لها ومستخرجًا للمعاني الكثيرة من الألفاظ القليلة [6] .
إشارة قال الحسن البصريُّ الفقيه الزَّاهد في الدُّنيا الرَّاغب في الآخرة، البصير بأمر دينه، المداوم على عبادة ربِّه تعالى.
قوله (إِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ) أي إنَّما أنا أقسم بينكم، فألقي إلى كلِّ واحدٍ ما يليق به، والله يوفِّق من يشاء منكم لفهمه والتَّفكُّر في معناه.
التُّوربشتيُّ أعلمَ الشَّارعُ صلَّى الله عليه وسلَّم أصحابه أنَّه لم يفضِّل في قسمة ما أوحي إليه أحدًا من أمَّته على الآخر، بل سوَّى في التَّبليغ، وعدل في القسمة، وإنَّما التَّفاوت في الفهم، وهو واقعٌ مِن طريق العطاء، ولقد كان بعض الصَّحابة يسمع الحديث فلا يفهم [7] منه إلَّا الظَّاهر الجليَّ، ويسمعه آخر منهم أو مَنْ بعدهم فيستنبط منه مسائل كثيرة، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء [8] .
إن قلتَ إنَّما تفيد الحصر، فمعناه ما أنا إلَّا قاسمٌ، وهذا كيف يصحُّ وله صفات أخرى مثل كونه رسولًا ومبشِّرًا ونذيرًا؟
قلتُ الحصر إنَّما هو بالنِّسبة إلى اعتقاد السَّامع، وهذا وَرَدَ في مقامٍ كان السَّامع معتقدًا كونه معطيًا، فلا ينتفي إلَّا ما اعتقده السَّامع، لا كلُّ صفة من الصِّفات، وحينئذ إن اعتقد أنَّه معطٍ لا قاسم؛ فيكون مِن بابِ قَصْرِ القَلْبِ؛ أي مَا أنَا إلَّا قَاسِمٌ؛ أي لَا مُعْطٍ، وإنِ اعتقدَ أنَّه قاسمٌ ومعطٍ؛ فيكون من قصر الأفراد؛ أي لا شركة في الوصفين، بل أنا قاسمٌ فقط.
قوله (وَاللهُ يُعْطِي) مفيدٌ للتَّقوية [9] تقديم لفظ الله عند السَّكَّاكيِّ، ولا يحتمل التَّخصيص؛ أي الله يُعْطي لا محالة.
وعند الزَّمخشريِّ يحتمله أيضًا، وحينئذ يكون معناه الله يُعْطي لا غيره، وهو جملةٌ حاليَّةٌ.
إن قلتَ فما مَعْنى الحصر حينئذ؟
قلتُ الحصر بـ (إنَّما) دائمًا هو في الجزء الأخير، فيكون معناه ما أنا قاسمٌ، إلَّا في حال إعطاء الله تعالى لا في حال غيره.
وفائدة حذف مفعولي (يُعْطي) هُوَ جعله كالفعل اللَّازم؛ إعلامًا بأنَّ المقصود منه إيجاد هذه الحقيقة؛ أي حقيقة الإعطاء، لا بيان المفعول؛ أي المُعْطي.
قوله (عَلَى أَمْرِ اللهِ) أي على الدِّين الحقِّ، وأمر الله القيامة، وإنَّما فسَّرناهما بذلك؛ لأنَّ الظَّاهر بحسب السِّياق يقتضي ذلك.
و (حَتَّى) غاية لـ (لن تزال)
إشارة الفرق بين (زال يزال) و (زال يزول) أنَّ الأوَّل من الأفعال النَّاقصة ويلزمه النَّفي بخلاف الثَّاني.
إن قلتَ حكم ما بعد الغاية مخالفٌ لما قبلها، فيلزم منه أنَّ يوم القيامة لا تكون هذه الأمَّة على الحقِّ، وهو باطلٌ.
قلتُ ليس باطلًا، إذ المراد من (الدِّين [10] ) الحقِّ التَّكاليف، ويوم القيامة ليس زمان التَّكاليف، أو يقال ليس المقصود منه معنى الغاية، بل هو مذكورٌ لتأكيد التَّأبيد، نحو قوله تعالى {مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ} [هود107] .
ويُحتمَل أن يكون غايةً لقوله (لا يضرُّهم) بل هو أولى؛ لأنَّه أقرب، وذلك إمَّا بأن يكون معنى (يأتي أمر الله) بلاء الله فيضرُّهم حينئذ، فما بعدها مخالفٌ لما قبلها، وإمَّا أن يكون ذكره لتأكيد عدم المضرَّة؛ كأنَّه قال لا يضرُّهم مَن خالفهم أبدًا، وعبَّر عنه بقوله (إلى يوم القيامة) وهو كقوله تعالى {لا يذوقون فيها الموت إلَّا الموتة الأولى} [الدخان56] ، يعني لا يضرُّهم إلَّا يوم القيامة، ولمَّا لم تكن المضرَّة يوم القيامة، فكأنَّه قال لا يضرُّهم أصلًا.
إن قلتَ إذا جاء الدَّجَّال وقتلهم؛ فقد ضرَّهم؛ قلتُ على تفسيره ببلاء الله ذلك ظاهرٌ، وعلى تفسيره بيوم القيامة يقال ذلك ليس مضرَّة، إذ الشَّهادة أعظم المنافع من جهة الآخرة.
إن قلتَ هل جاز تنازع الفعلين في (حتَّى) فيتعلَّق بهما؟
قلتُ لا محذور فيه.
إن قلتَ هل فرقٌ بين (حتَّى يأتي أمر الله) وبين (إلى أن يأتي أمر الله) ؟
قلتُ الفرق أن مجرور حتَّى يجب أن يكون آخر جزءٍ من الشَّيء أو ما
ج 1 ص 95
يلاقي آخر جزء منه؛ قال في «الكشَّاف» في قوله تعالى {وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوْا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ} [الحجرات5] ، الفرق بينهما أنَّ (حتَّى) مختصَّةٌ بالغاية المضروبة؛ أي المعيَّنة، تقول (أكلتُ السَّمكة حتَّى رأسها) ، ولو قلتَ (حتَى نصفها أو صدرها) ؛ لم يجز، و «إلى» عامَّةٌ في كلِّ غايةٍ [11] .
إن قلتَ هل فيه دلالةٌ على حجَّة الإجماع؟
قلتُ نعم؛ لأنَّ مفهومه أنَّ الحقَّ لا يعدو الأمَّة، والجمع بين هذا الحديث وحديث «لا تقوم السَّاعة إلَّا على شرار الخلق» [12] وحديث «لا تقوم السَّاعة حتَّى لا يقول أحد اللهَُ اللهٌَ» [13] إنَّ هذه الأحاديث لفظها على العموم، والمراد منها الخصوص.
فمعناه لا تقوم على أحدٍ يوحِّد الله، إلَّا بموضع كذا، فإنَّ به طائفةً على الحقِّ، ولا تقوم السَّاعة إلَّا على شرار النَّاس بموضع كذا، إذ لا يجوز أن تكون الطَّائفة القائمة بالحقِّ الَّتي توحِّد الله هي شرار الخلق.
وقد جاء ذلك بيِّنًا في حديث أبي أمامة الباهليِّ «لا تزال طائفة من أمَّتي ظاهرين على الحقِّ لا يضرُّهم من خالفهم، قيل وأين هم يا رسول الله؟ قال ببيت المقدس، أو أكناف بيت المقدس» [14] .
وقال النَّوويُّ لا مخالفة بين الأحاديث؛ لأنَّ المراد من «أمر الله» الرِّيح اللَّيِّنة الَّتي تأتي قريب القيامة [15] فتأخذ روح كلِّ مؤمن ومؤمنة، وهذا قبل القيامة، وأمَّا الحديثان الآخران فهما على ظاهرهما، إذ ذلك عند القيامة [16] .
وأمَّا هذه الطَّائفة؛ فقال البخاريُّ هم أهل العلم، وقال الإمام أحمد إن لم يكونوا أهل الحديث؛ فلا أدري من هم.
وقال عيَّاض إنَّما أراد أحمد أهل السُّنَّة والجماعة ومن يعتقد مذهب أهل الحديث.
وقال النَّوويُّ يُحتمَل أن تكون هذه الطَّائفة متفرِّقة، فمنهم مقاتلون ومنهم فقهاء ومنهم محدِّثون، ومنهم زهَّاد إلى غير ذلك.
إشارة قال الكرمانيُّ استدلَّ بعض العلماء به على امتناع خلوِّ العصر عن المجتهد، انتهى.
أقول يجوز خلوُّ الزَّمان عن مجتهدٍ، خلافًا للحنابلة، لنا لو امتنع لكان لغيره، والأصل عدمه، وقال عليه السَّلام «إنَّ الله لا يقبض العلم ... » الحديث قالوا «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحقِّ حتَّى يأتي أمر الله وحتَّى يظهر الدَّجال» ، وهو متَّفقٌ على صحَّته إلى أنس في لفظ الصَّحيح، وحتَّى يظهر الدَّجال فهذا ظاهرٌ في عدم خلوِّ الزَّمان إلى يوم القيامة أو أشراطها، قلنا سلَّمنا أنَّ هذا يدلُّ على عدم وقوع الخلوِّ، فأين نفي الجواز الَّذي ادَّعيتموه، ولو سلَّم؛ فدليلنا أظهر؛ لأنَّ فيه التَّصريح بقبض العلم، وليس فيما ذكرتموه، ولا يلزم منه بقاء أهل العلم.
ولو سلَّم تساوي الدَّليلين؛ فيتعارضان، ونسلِّم الدَّليل الأوَّل، وهو أنَّ الأصل عدم المانع؛ قالوا الاجتهاد فرض كفايةٍ، فيستلزم انتفاؤه اتِّفاق المسلمين على الباطل؛ قلتُ إنَّما يكون فرض كفايةٍ إذا لم يفرض موت العلماء، أمَّا إذا فرض موت العلماء؛ لم يكن؛ لأنَّ موتهم ينفي القدرة والتَّمكُّن من الاجتهاد، وإذا لم يكن مقدورًا؛ لم يقع التَّكليف به.
وروى ابن ماجة والحاكم وقال على شرط مسلم من حديث حذيفة رضي الله تعالى عنه أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال «يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثَّوب ... » الحديث.
[1] «الكواكب الدراري» (2/ 37) .
[2] «صحيح مسلم» (1037) (2/ 718) من حديث مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ رضي الله عنه.
[3] كما في «تحفة الأشراف» (15185) (11/ 31) .
[4] القائلُ هُو عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ ابْنُ المَدِيْنِيِّ وهُوَ الرَّاوِي عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ في هذا السَّنَدِ.
[5] «التوضيح» (3/ 343) .
[6] قلت هذا التفسير لمعنى جوامع الكلم التي أوتيها النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم، كذا أورد القاضي عياض وغيره في «مشارق الأنوار» (1/ 230) .
[7] في الأصل (يسمع) .
[8] انظر «الميسَّر في شرح مصابيح السنَّة» (1/ 97) .
[9] في الأصل (مُفِيدٌ للتَّقْوِيَة تقديمُ لَفْظِ «اللهِ» ) ،وكذا في خ 2#والمثبت موافق لمصدره.
[10] كذا في الأصل تبعًا لمصدره، ولفظ الحديث (أمر الله) .
[11] «الكشاف» (4/ 361) .
[12] أخرجه مسلم في «صحيحه» (1924) (3/ 1524) من حديث سيِّدنا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضي الله عنهما.
[13] أخرجه مسلم في «صحيحه» (148) (1/ 131) بلفظ «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ عَلَى أَحَدٍ يَقُولُ اللَّهُ اللَّهُ» من حديث سيِّدنا أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه، والطبريُّ في «تهذيب الآثار» (1065) (ص 363) بلفظ المؤلِّف تمامًا.
[14] أخرجه الإمام أحمد في «المسند» (22374) (5/ 269) من حديث سيِّدنا أَبِي أُمَامَةَ البَاهِلِيِّ رضي الله عنه، والطبريُّ في «تهذيب الآثار» (1059) (ص 360) بلفظ المؤلف تمامًا. [في (خ 1) (أمتي على الحق) و (المقدس وأكناف) ]
[15] «المنهاج شرح صحيح مسلم» (2/ 133) .
[16] راجع لما سبق «الكواكب الدراري» (2/ 37 - 39) .