فهرس الكتاب

الصفحة 1316 من 6723

1039 - (مِفْتَاحُ الغَيْبِ) هو إمَّا استعارة مَكْنيَّة بأن يجعل الغَيْث كالمخزن المستوثق بالأغلاق؛ ليضافَ إليه مَا هو من خواصِّ

ج 1 ص 414

المخزن المَذْكور، وهو المفتاح، وإمَّا استعارة مصرَّحة بأن يجعل ما يتوصَّل به إلى مَعْرفة الغَيْثِ كالمفتاح للمَخْزنِ ويكون لفظُ الغَيْب قرينة له.

إن قلتَ الغيوب الَّتي لا يَعْلمها إلَّا الله كثيرة لا يَعْلم مَبْلغَها إلَّا هو، قال تعالى {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ} [المدَّثِّر 31] ، فما وجه التَّخصيص بالخمس.

قلتُ التَّخصيص بالعدد لا يدلُّ على نفي الزَّائد أو ذكر هذا العدد في مقابلة ما كان القوم يَعْتقدون أنَّهم يَعْرفون من الغَيْب هذه الخمس، أو لأنَّهم كانوا يسألونه عن هذه الخمس، أو لأنَّ أمَّهات الأمور هذه؛ لأنَّها إمَّا تتعلَّق بالآخرة وهو علم السَّاعة، وإمَّا بالدُّنيا، وذلك إمَّا متعلِّق بالجماد أو بالحيوان، والثَّاني إمَّا بحسب مَبْدأ وجوده أو بحسبِ مَعَاده، أو بحسب مَعَاشه.

إن قلتَ من أين يُفْهم منه علم السَّاعة وقد ذكره الله من الخمسة حيث قال {إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ} [لقمان 34] الآية؛ قلتُ الأوَّل من هذه إشارة إليه، إذ يُحتمَل وقوع أشراط السَّاعة في الغد.

إن قلتَ لم قال في مَوْضعين (نَفْسٌ) ، وفي الثَّلاث (أَحَدٌ) ؛ قلتُ النَّفس هي الكاسبة وهي المايتة، قال تعالى {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} [المدَّثِّر 38] ، وقال تعالى {اللهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا} [الزُّمر 42] ، فلو قيل بدلها لفظ (أحد) فيهما؛ لاحتمل أن يُفْهم منه لا يَعْلم أحد مَاذا تكسب نفسه أو بأيِّ أرض تموت نفسه، فتفوت المبالغة المقصودة، وهي أنَّ النَّفس لا تعرف حال نفسها حالًا ومآلًا، وإذا لم يكن لها طريق إلى مَعْرفتها؛ فكان إلى معرفة ما عداها أبعد.

إن قلتَ مَا الفرق بينَ العلم والدِّراية؛ قلتُ الدِّراية أخصُّ؛ لأنَّها علم باحتيالٍ؛ أي أنَّها لا تعرف، وإن أُعمِلت حيلتها.

إن قلتَ لم عدل عن لفظ القرآن وهو (يَدْري) إلى لفظ (يعلم) في (ماذا تكسب غدًا) ؛ قلتُ لإرادة زيادة المبالغة إذ نفيُ العامِّ مُسْتلزم لنفي الخاصِّ بدون العكس، فكأنَّه قال لا تَعْلم أصلًا سواء أحتالت أم لا.

ابن بطَّال هذا يُبْطل حَرْص المنجِّمين في تعاطيهم علمَ الغَيْب ممَّن ادَّعى علم ما أخبر الله تعالى ورسوله أنَّ الله تعالى منفردٌ بعلمه فقد كذَّب الله ورسوله، وذلك كفرٌ من قائله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت