فهرس الكتاب

الصفحة 1320 من 6723

1044 - (آيَتَانِ) أي علامتان لقرب القيامة أو لعذاب الله، أو لكونهما مُسَخَّرين لقُدْرة اللهِ تعالى وتحت حُكْمه.

الخطَّابيُّ كانوا في الجاهليَّة يَعْتقدون أنَّ الكسوف يوجبُ صدور تغيير في العالم؛ من موت وضرر ونحوه على ما يَذْهب إليه المنجَّم من إعطائه للأحكام، وزعمه أنَّ السُّفليَّات مربوطة بالنَّجوم وأنَّ لها تأثيرًا فيها، فأعلمَ عليه السَّلام أنَّه باطل، وأنَّهما آيتان من آيات الله مرَّ بهما خلقه؛ ليعلموا أنَّهما خلقان مسخَّران لله ليس لهما سلطان في غيرهما، ولا قدرة على الدَّفْع عن أنفسهما، وأنَّهما لا يستحقَّان أن يُعْبدا، قال تعالى {لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا للهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ} [فصِّلت37] ، فلهذا أمر عند كسوفهما أن يفرغ إلى الصَّلاة والسُّجود لله تعالى دونهما، إبطالًا لقول الجهَّال الَّذين يعبدونهما.

ويحتمل أن يكون للأمر بالصَّلاة عنده للتَّضرع إلى الله في دفع الآفات الَّتي تتوهَّمها الأنفس تحقيقًا لإضافة الحوادث كلُّها إلى الله ونفيًا عن الشَّمس والقمر

ج 1 ص 415

وإبطالًا لأحكامهما.

وفيه وجهٌ ثالثٌ، وهو أنَّهما من آيات الله الدَّالَّة على قرب القيامة وأمارتان من أماراتها، وقد يكون ذلك أيضًا أنَّه يخوِّف بها النَّاس؛ ليفرغوا إلى التَّوبة والاستغفار، قال تعالى {وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا} [الإسراء59] .

إشارة إبراهيم بن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وُلِدَ في ذي الحجَّة سنة ثمان، ومات في ذي الحجَّة سنة عشر، ويقال أنَّ وفاته كانت يوم الثُّلاثاء لعشر ليالٍ خَلَون من ربيع الأوَّل سنة عشر.

(لَا لِحَيَاتِهِ) إن قلتَ ما فائدة هذه اللَّفظة إذ لم يقل أحد بأنَّ الانكساف للحياة، لا سيَّما هنا، إذ السِّياق إنَّما هو في موت إبراهيم فيتمُّ الجواب بقوله (لا ينكسفان لموتِ أحدٍ) ؛ قلتُ فائدته دفع توهُّم من يقول قد لا يكون الموت سببًا للانكساف، ويكون نَقيْضه سَبَبًا له، فعمَّم النَّفي؛ أي ليس سببه لا الموت ولا الحياة، بَلْ سببه قُدْرة الله تعالى فقط.

(أَغْيَرُ) الغَيْرة الحميَّة.

و (أَنْ يَزْنِيَ) متعلِّق به، وحذف الجارِّ وهي (في) أو (على) منه، ونسبة الغَيْرة إلى الله تعالى مجاز محمول على غاية إظهار غضبه على الزَّاني و، استعارة مصرَّحة تبعيَّة قد شبَّه حاله ما يفعل الله تعالى مع عَبْده الزَّاني، من الانتقام وحلول العقاب بحاله، ما يَفْعل السَّيِّد بعبده الزَّاني من الزَّجْر والتَّعزير.

ووجه تعلُّق هذا الكلام بما قَبْله هو أنَّه لمَّا خوَّف أمَّته من الكسوف وحرَّضهم على الالتجاء إلى الله تعالى بالخَيْرات؛ أراد أن يَرْدعهم عن المعاصي، وخصَّ منهَا الزِّنا؛ لأنَّ مَيْلَ النَّفْس إليها أكثر من مَيْلها إلى غيرها، ولتفخيم شأنها في الفظاعة.

ولعلَّ تخصيص العبد والأمَة بالذِّكر؛ رعاية لحُسْن الأدب؛ لأنَّ أصل الغَيْرة أن تُستعمَل في الأهلِ والزَّوج وَجَنَابُه الأقدس مُنَزَّهٌ منهمَا، وقيل مَعْناه ليس أحد أمنع من المعاصي من اللهِ تعالى ولا أشدُّ كراهة لها منه.

فائدة يجوز في (أَغْيَرَ) الرَّفع على أنَّ ما تمَّمته فهو خبر المبتدأ الَّذي هو (أحد) ، والنَّصب على أنَّها حجازيَّة، و (من) زائدة مُؤَكِّدة، فيكون (أغير) خبرها، ويجوز أن يكون فتحةَ (أغير) علامة الجرِّ فيه؛ لكونه صفة المجرور باعتبار اللَّفظ، والخبر مَحْذوف؛ أي موجودًا، ويجوز في الرَّفع أن يكونَ (أغير) صفة باعتبار محلِّه، والخبر محذوف، انتهى، قاله البرماويُّ.

(لَوْ تَعْلَمُونَ) أي من عُظمِ انتقام الله تعالى من أهل الجرائم وشدَّة عقابه وأهوال القيامة وأحوالها كما علمته؛ لما ضحكتم أصلًا، إذ القليل بمعنى العَدَم على مَا يَقْتضيه السِّياق.

إن قال قائل أليس رؤية الأهلَّة، وحدوث الحرِّ والبرد، وكلَّما أجرى الله العادة بحدوثه على وتيرة واحدة آيات، فما مَعْنى التَّخصيص بهما؛ أنَّهما آيتان من آيات الله؛ فالجواب أنَّ كلَّها آيات ودلالة على قُدْرته، غير أنَّه عليه السَّلام إنَّما خصَّ كسوفها بأنَّهما آيتان؛ لإخباره لهم عن ربِّه بأنَّ القيامة تقوم وهما مُنْكسفان، فأمرهم بالتَّوبة والصَّلاة ونحوهما؛ خوفًا من أن يكون الكسوف لقيام السَّاعة.

المهلَّب كان هذا قبل أن يُعْلمه الله تعالى بأشراط السَّاعة ومقدِّماتها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت