1465 - إشارة (مَا يُفْتَحُ) في محل نَصْب اسم إنَّ والجار والمَجْرور قبله الخبر، انتهى.
(أَوَيَأْتِي) الهَمْزة للاستفهام، والواو مفتوحة للعَطْف على مقدَّر بعدَ الهمزة.
الأصفهانيُّ أي أتصير النِّعمة عقوبة؛ أي إنَّ زهرة الدُّنيا نعمة من الله تعالى على الخلق، أتعود هذه الرَّحمة وبالًا عليهم؟ فسكت عليه السَّلام؛ انتظارًا للوحي، فلامَ القومُ هذا السَّائل وقالوا له ما شأنك تكلِّم النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم ولا يكلِّمك.
(فأرينا) أي ظننَّا.
(أَنَّهُ يُنْزَلُ عَلَيْهِ) يَعْني الوحي.
(فَمَسَحَ الرُّحَضَاء) يَعْني العَرق.
وظنَّ النَّاس أنَّه عليه السَّلام أنكر مَسْألته، فلمَّا رأوه يسأل عنه سؤالًا له أصل؛ عَلِموا أنَّه حمده فقال إنَّه لا يأتي الخير بالشَّرِّ؛ أي ما قضى الله تعالى أن يكون خيرًا يكون خيرًا، وما قضاه أن يكون شرًّا يكون شرًّا، وإنَّ الَّذي خفتُ عليكم تضييعكم نعمة الله وصرفكم إيَّاها في غير ما أمر الله، ولا يتعلَّق ذلك بنفس النِّعمة ولا ينسب إليها، ثمَّ ضرب لذلك مثلًا فقال «وإنَّ ممَّا ينبت الرَّبيع ... » إلى آخره، فلذلك أتى بالواو للعطف.
(الْخَضْرَ) بفتح الخاء وكسر الضَّاد ضَرْب من الكلأ، هُوَ من أفضل المراعي، ورُوِيَ بضمِّ الخاء وفتح الضَّاد جمع الخُضْرة.
و (الخَاصِرَة) الجَنْب؛ يعني حتَّى إذا امتلأت شبعًا وعَظُمُ جنباها؛ استقبلت الشَّمس وجاءت وذهبت.
و (ثَلطَتْ) أي ألقت السرقين وهو بكسر اللَّام وفتحها، قال الكسر السَّفاقسيُّ، ولم يضبطه الكرمانيُّ.
قال الكرمانيُّ ولفظ (خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ) التَّأنيث فيهما باعتبار ما يشتمل عليه المال من أنواع زهرات الدُّنيا.
و (الخَضِرَة) عبارة عن الحُسْن، وهي أحسن الألوان.
الخطَّابيُّ يريد أنَّ صُوْرَة الدُّنيا حَسَنَة المَنْظر مُوْنقة تعجب النَّاظر، ولذلك أنَّث اللَّفظين، والعرب تسمِّي الشَّيء المشرق خَضِرًا؛ تَشْبيهًا له بالنَّبات الأخضر.
وقيل إنَّما سُمِّي (الخَضِرُ) لحُسنه ولإشراقِ وجههِ.
قال وسقَط في الكلام من الرُّواةِ (ما) وتقديره (ما يقتل) وهو مَثَل ضَربه الرَّسول عليه السَّلام، والمَعْنى أنَّ مرعى الربيع ناعمٌ تستحيله الماشية فتستكثر منه فتنتفخ بطونها، وربَّما كان سببًا لهلاكها، وذلك مثل المستكثر من الدُّنيا الحريص عليها.
وأكله الخضر مثل المُقْتصد في طلب الدُّنيا القانع منها بقدر الكفاية، والخضر من كلأ الصَّيف ولا تستكثر منه الماشية، وإنَّما ترفع منه شيئًا فشيئًا، وجعل ما يكون من ثَلَطِها وبَولِهِا لإخراج ما يَصْرفه من المال في الحقوق ووضعه فيها.
والحاصل أنَّ جمع المال غير محرَّم، ولكنَّ الاستكثار منه والخروج من حدِّ الاقتصاد فيه غير المحمود.
ج 1 ص 493
قال ومعنى (يُلِمُّ) يَقْرب أوْ يُسْرع أن يكون منه التَّلف.
أقول ومن تمام التَّشْبيه أن يقالَ أنَّ المُعْطي للمسكين كأكلة الخضر لا مضرَّةَ له، بَلْ ينتفع به، وإنَّ الحريص الَّذي يأخذ بغير حقِّه كآكل ما يقتل.
وأمَّا قوله سقط كلمة (ما) فهو غير مُسَلَّم لصحَّة أن يقال إنَّ بعض ما يُنْبِتُ الرَّبيع يَقْتل.
وقد قال الزَّمخشريُّ في قوله تعالى {وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَا} [مريم53] أي بعض رحمتنا، وأعطى في كثير من المواضع غيره للحرف حُكم الاسم الَّذي هو متعلِّق معناه، انتهى كلام الكرمانيِّ.
قال البرماويُّ لكنَّ الأوَّل أصحُّ.
قال الكرمانيُّ قال وفيه الحضُّ على الاقتصاد في المال والحثُّ على الصَّدقة وترك الإمساك.
ابن بطَّال يعني أنَّ المال يُعْجب النَّاظرين إليه ويحلو في أعيانهم فيدعوهم حُسْنُه إلى الاستكثار منه، فإذا فعلوا ذلك؛ تضرَّروا به كالماشية إذا استكثرت من المَرْعى ثلطت.
أقول فلا يَبْقى على هذا التَّقرير لاستثناء أكلة الخضر معنى؛ لشمول التَّضرُّر وإتمام الهلاك لهم أيضًا.
وقال (خَضِرَةٌ) لم يأتِ على الصِّفة، وإنَّما أتى على سبيل التَّشْبيه، كأنَّه قال إنَّ هذا المال كالبقلة الخضرة، وتقول إنَّ هذا السُّجودَ حَسَنةٌ، كأنَّك قلتَ هو فعلة حسنة.
أقول فهذا هو تَوْجيه ثالث لتقرير التَّأنيث في اللَّفظين، وله وجه رابع وهو أن تكون التَّاء للمبالغة نحو رجل راوية وعلَّامة.
قال وفيه جواز ضَرْب الأمثالِ، وإن كان لفظها بالكلام الوضيع كالبول ونحوه، واعتراض التِّلميذ على العالِم في الأشياء المجملة حتَّى يبيِّن معناها.
وفيه أنَّ السُّؤال إذا لم يكن في موضعه؛ يُنكَر على سائله، وأنَّ العالم إذا سُئِلَ يَمْطُل عن الجواب حتَّى تنكشف المسألة ممَّن فوقه من العلماء كما فعل عليه السَّلام في سكوته حتَّى استطلعها من قِبَلِ الوحي.
وفيه أنَّ كسب المال من غير حقِّه غير مبارك له فيه، والله تعالى رفع عنه البركة كما قال {يَمْحَقُ اللهُ الرِّبَا} [البقرة276] .
وأمَّا معنى (يَكُونُ شَهِيدًا عَلَيْهِ) فهو والله أعلم أنَّه يتمثَّل له شجاعًا أقرع، ويأتيه في صورة من يشهد عليه بالخيانة لأنَّه آية مُعْجزة، ولا أكثر من شهادة المعجزات.
وفيه أنَّ للعالم أن يحذِّر من يجالسه من فتنة المال وينبِّههم على مواضع الخوف كما قال عليه السَّلام «إنَّما أخاف عليكم» ، فَوَصَف لهم ما يخاف عليهم ثمَّ عرَّفهم بمداواة تلك الفتنة وهي إطعام المسكين ونحوه.
النَّوويُّ لمَّا قال الرَّجل أيكون الشَّيء كمال الغنيمة المفتوحة علينا خيرًا ثمَّ يترتَّب عليه الشَّر؟ أجابه عليه السَّلام بأنَّ الخير الحقيقيَّ لا يأتي إلَّا بالخير، لكنَّ هذه الزَّهرة ليست خيرًا حقيقيًّا لما فيها من الفتنة والمنافسة والاشتغال عن كمال الإقبال إلى الآخرة.
ثمَّ ضَرَب مثلًا ومختصره أنَّ من استكثر منه غير صارف في وجوهه؛ فهو ضارٌّ له، ومن لم يأخذ إلَّا يسيرًا أو أخذ كثيرًا وفرَّقه في مصارفه كما تثلط الدَّابَّة فلا يضرُّها.
وفي الحديث حجَّة لمن يرجِّح الغنى على الفقر.
قال و (الرُّحَضَاء) بضمِّ الرَّاء وفتح المهملة، وبالمُعْجمة وبالمدِّ العَرَق من الشِّدَّة.
و (ثَلَطَتْ) بالمثلَّثة واللَّام المَفْتوحات؛ أي ألقت الثَّلط؛ وهو الرَّجيع الرَّقيق.
خاتمة (يَقْتُلُ) صفة لمفعول محذوف؛ أي شيئًا أو نباتًا.
و (يُلِمُّ) بضمِّ أوَّله.
(البطن) و (الحَبَط) بفتح الحاء المهملة وبالباء الموحَّدة المفتوحة انتفاخ من داء يصيب الآكل.