فهرس الكتاب

الصفحة 2059 من 6723

1894 - (جُنَّةٌ) هي التِّرس، ومعناه أنَّه مانع من النَّار أو من المعاصي؛ لأنَّه يكسر الشَّهوة ويضعف القوَّة.

و (لَا يَرْفَثْ) بفتح الفاء وكسرها وضمِّها؛ أي لا يفحش في الكلام.

و (لَا يَجْهَلْ) أي لا يعمل شيئًا مثل فعل الجهلاء كالصِّياح والسُّخرية، أو لا يسفه، إذ الجهل جاز أيضًا بمعنى السَّفاهة.

(قَاتَلَهُ) نازعه ودافعه.

و (شَاتَمَهُ) أي تعرَّض للمشاتمة.

(فَلْيَقُلْ) أي كلامًا لسانيًّا ليسمعه الشَّاتم والمقاتل فيَنْزجر غالبًا أو كلامًا نفسانيًّا؛ أي يحدِّث به نفسه ليمنعها من مشاتمته، وعند الشَّافعيِّ يجب الحمل على كلا المَعْنيين.

واعلم أنَّ كلَّ واحد منها _من الرَّفث والجَهْل والمخاصمة_ منهيٌّ، لكنَّ النَّهي في الصَّائم آكد، قال الأوزاعيُّ يُفطِر السَّبَّ والغيبة، قيل مَعْناه أنَّه يصير في حكم المُفْطر في سقوط الأجر لا أنَّه مُفْطرٌ حقيقةً.

(الخُلُوفُ) بضمِّ الخاء على الصَّحيح المَشْهور تغيُّر رائحة الفم، وقد يُروَى أيضًا بفتحها.

إن قلتَ لا يتصوَّر إلَّا طيبه بالنِّسبة إليه تعالى إذ هو منزَّه عن أمثاله.

قلتُ معنى (الأطيب) الأقبل؛ لأنَّ الطِّيب مُسْتلزم للقبول عادة؛ أي خلوفه أقبل عنده تعالى من قبول ريح المسك عندكم، أو هذا الكلام مرَّ على سبيل الفَرْض؛ أي لو تصوَّر الطِّيب عند الله؛ لكان الخلوف أطيب، أو المقصود من التَّركيب بجملته زبدته؛ وهو الثَّناء على الصَّائم والرِّضا بفعله؛ لئلَّا يمنعه ذلك من المواظبة على الصَّوم الجالب للخلوف.

المازريُّ هذا استعارة؛ لأنَّ استطابة بعض الرَّوائح من صفات الحيوان الَّذي له طبيعة تميل إلى الشَّيء فتسْتطيبه وتنفر عنه فتستقذره، والله متقدِّس عن ذلك، جرت عادتنا بتقريب الرَّوائح الطَّيِّبة منَّا، فاستعير ذلك في الصَّوم لتقريبه من الله تعالى، وقيل مَعْناه الجزاء خلوفه أطيب منه؛ أي يجازيه الله به في الآخرة، فتكون نكهته أطيب منه، وقيل المراد من (عِنْدَ اللهِ تَعَالَى) ملائكة الله تعالى.

النَّوويُّ الأصحُّ أنَّ الخلوف أكثر ثوابًا من المسك حيث ندب إليه في الجُمُعات والأعياد.

القاضي البَيْضاويُّ هو تفضيل لما يُسْتكره من الصَّائم على أطيب ما يستلذُّ من حبسه، وهو المسك ليقاس عليه ما فوقه من آثار الصَّوم.

ابن بطَّال مَعْنى (عِنْدَ اللهِ) أي في الآخرة، كقوله تعالى {وَإِنَّ يَومًا عِنْدَ رَبِّكَ} [الحج47] يريد أيَّام الآخرة.

قوله (مِنْ أَجْلِي) إن قلتَ السِّياق يَقْتضي أن يكون ضمير المتكلِّم في لفظ (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) ولفظ (أَجْلِي) عبارة عن متكلِّم واحد، لكن لا يصحُّ المَعْنى عليه.

قلتُ لا بدَّ من تقدير نحو قال الله تعالى قبل لفظ (يَتْرُكُ) لإنصاب المَعْنى على نحوه.

إن قلتَ فهذا قول الله تعالى، فما الفرق بينه وبين القرآن؟

قلتُ القرآن لفظه مُعْجز ومنزل بواسطة جبريل، ومثله يُسمَّى بالحديث القدسيِّ والإلهيِّ والرَّبَّانيِّ.

إن قلتَ الأحاديث كلُّها كذلك، فكيف لا وهو {مَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى} [النَّجم3] ؟

قلتُ الفَرْق بأنَّه مضاف إلى الله تعالى ويُروَى عنه بخلاف غيره، وقد يُفرَق بأنَّ

ج 1 ص 567

القُدْسيَّ ما يتعلَّق بتنزيه ذات الله تعالى وبصفاته الجلاليَّة والجماليَّة مَنْسوبًا إلى الحضرة القُدْسيَّة تعالى وتقدَّس.

الطَّيبيُّ القرآن المنزَل به جبريل على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم للإعجاز والقدسيِّ إخبار الله ورسوله صلَّى الله عليه وسلَّم مَعْناه بالإلهام وبالمنام، فأخبر النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أمَّته بعبارة نفسه، وسائر الأحاديث لم تضفه إلى الله ولم تروه عنه.

(الصَّوم لي) إن قلتَ كذلك جميع الطَّاعات؛ قلتُ بسبب إضافته أنَّه لم يعبد أحد غير الله به فلم تعظِّم الكفَّار في عَصْر من الأعصار مَعْبودًا لهم بالصِّيام، وإن كانوا يعظِّمونه بصورة السُّجود والصَّدقة وغير ذلك، وقيل هو أنَّه ليس للصَّائم فيه حظٌّ، إذ لا يطَّلع عليه أحد، وكيف يكون وفيه كسر النَّفْس وتعريض البدن للنُّقْصان والصَّبر على حُرْقة العَطَش ومضض الجوع، وقيل إضافته للتَّشريف كقوله تعالى {نَاقَةُ اللهِ} [الأعراف73] .

الخطَّابيُّ مَعْناه الصَّوم خالصة لي، ولا يستولي عليه الرِّياء والسُّمعة؛ لأنَّه عمل سرٍّ ليس كسائر الأعمال الَّتي يطَّلع عليها الخلق، وهذا كما رُوِيَ «نيَّة المُؤْمن خير من عمله» وذلك لأنَّ النِّيَّة محلَّها القَلْب فلا يطَّلع عليها غير الله، وتقديره أنَّ النِّيَّة منفردة عن العمل خير من عمل خالٍ عن النِّيَّة، كما قال {لَيلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ} [القدر3] ؛ أي ألف شهر ليس فيه ليلة القدر، وقيل معناه أنَّ الاستغناء من الطَّعام صفة لله، فإنَّه يُطعِم ولا يُطعَم كأنَّه يقول إنَّ الصَّائم يتقرَّب إليَّ بأمر هُوَ متعلِّق بصفة من صفاتي وإن كانت صفاته لا يُشْبهها شيء.

قال (وَأَنَا أَجْزِي بِهِ) معناه مضاعفة الجزاء من غير عَدَد ولا حساب، وإنَّما عقَّبه بقوله (وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ) إعلامًا بأنَّ الصَّوم مستثنى من هذا الحكم، فكأنَّه قال وسائر الحسنات بعشر أمثال بخلاف الصَّوم، فإنَّه بأضعافه بدون الحساب.

قوله (أَنَا أَجْزِي) بيان لكثرة ثوابه؛ لأنَّ الكريم إذا أخبر بأنَّه يتولَّى بنفسه الجزاء؛ اقتضى عظمته وسعته.

إن قلتَ تقديم الضَّمير للتَّخصيص أو للتَّأكيد والتَّقوية؟

قلتُ يَحْتملها، لكنَّ الظَّاهر من السِّياق الأوَّل؛ أي أنا أجازيه لا غيري، بخلاف سائر العبادات، فإنَّ جزاءها قد يفوَّض إلى الملائكة.

قوله (بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا) إن قلتَ (المثل) مذكَّر، فالقياس (بعشرة) بالتَّاء الَّتي هي علامة التأنيث [1] .

قلتُ مثل الحسنة هو الحسنة، فكأنَّه قالَ بعشر حسنات.

إن قلتَ قد تكون بسبع مئة والله تعالى يضاعف لمن يشاء.

قلتُ هذا أقلُّه، والتَّخصيص بالعدد لا يدلُّ على نفي الزِّيادة.

[1] في الأصل (التذكير) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت