فهرس الكتاب

الصفحة 223 من 6723

132 -قوله (فَأَمَرْتُ) إن قلتَ الأمر هو حقيقة في الإيجاب، فما حكمه في لفظ (فأمرتُ) ؟

قلتُ صيغة الأمر ظاهر في الإيجاب لا لفظ أمرت، وهنا لا صيغة، ولئن سلَّمنا؛ فقد يُعدَل عن الأصل بالقرائن.

قوله (فَسَألَهُ) يُقال سألته الشَّيء، وسألته عن الشَّيء، ويتعدَّى بنفسه إلى المفعول الأوَّل، وبـ (عن) إلى الثَّاني، والعكس، وقد تُخفَّف همزته، فيقال سله.

قوله (فِيهِ الْوُضُوءُ) يحتمل كونه مبتدأ وخبرًا، وأن يكون مبتدأً، أو فاعلًا، وخبره أو فعله محذوف؛ أي واجبٌ أو يجب.

ولفظ (فِيْهِ) متعلِّقًا بـ (قال) ، وظاهر السِّياق أنَّه سمعه من الرَّسولِ، حيث لم يقل قال المقداد قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، انتهى.

قال ابن بطَّال في هذا الحديث قبول خبر الواحد [1] ، فمقتضى هذا أن يكون عليٌّ سَمعه من المقداد، والمقداد من الرَّسول عليه السَّلام، انتهى.

واعلم أنَّ هذا السُّؤال سأله عليٌّ رضي الله عنه للرَّسول عليه السَّلام بنفسه كما وَرَد في «صحيح ابن خزيمة» [2] ، ومرَّة أمر المقداد _كما هنا_، ومرَّةً أمر عمَّار بن ياسر فسأله [3] ، وطريق الجمع أنَّهما سألاه وسأل هو [4] .

قال الكرمانيُّ وفيه جواز الاستنابة في الاستفتاء، وأنَّه يجوز الاعتماد على الخبر المَظْنون مع القدرة على المَقْطوع به؛ لأنَّ عليًّا رضي الله عنه اقتصر على قول المقداد مع تمكُّنه من رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، إلَّا أنَّه قد ينازع ويقال فلعلَّ عليًّا كان حاضرًا مجلس رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وقت السُّؤال، وإنَّما استحى أن يكون السُّؤال منه بنفسه [5] .

وتقدَّم أعلاه وعبارته بنفسه، وجاء في النَّسائيِّ أنَّه كان حاضرًا وقتَ السُّؤال.

[1] «شرح صحيح البخاري» لابن بطال (1/ 213) .

[2] «صحيح ابن خزيمة» (20) ، من حديث عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه، ولفظه (قَالَ كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً، فَجَعَلْتُ أَغْتَسِلُ فِي الشِّتَاءِ حَتَّى تَشَقَّقَ ظَهْرِي، قَالَ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، _أَوْ ذُكِرَ لَهُ_ فَقَالَ لِي «لَا تَفْعَلْ، إِذَا رَأَيْتَ الْمَذْيَ؛ فَاغْسِلْ ذَكَرَكَ، وَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ، فَإِذَا فَضَخْتَ الْمَاءَ؛ فَاغْتَسِلْ» ) .

[3] أخرجه النسائي في «السنن الكبرى» (154) ، من حديث عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه.

[4] وقد صحَّ هذا الجمع في رواية عبد الرزاق في «مصنفه» (597) (1/ 155) ، ولفظه (قَالَ تَذَاكَرَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ وَالْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدُ الْمَذْيَ، فَقَالَ عَلِيٌّ إِنِّي رَجُلٌ مَذَّاءٌ، فَاسْأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ، فَإِنِّي أَسْتَحْيِي أَنْ أَسْأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ؛ لِمَكَانِ ابْنَتِهِ مِنِّي، لَوْلَا مَكَانُ ابْنَتِهِ؛ لَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ عَائِشُ فَسَأَلَ أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ عَمَّارٌ أَوِ الْمِقْدَادُ ... ) ، من حديث عَائِش بْنِ أَنَسٍ.

[5] انظر «المنهاج شرح مسلم» (3/ 214) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت