134 -لطيفة (ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) محمَّد بن عَبْد الرَّحمن من تابعي التَّابعين، لمَّا حجَّ المهديُّ دخل مسجد الشَّارع عليه السَّلام، ولم يبقَ أحدٌ إلَّا قام إلَّا ابن أبي ذئب، فقال له المسيَّب ابن زهير قم، هذا أمير المؤمنين، فقال إنَّما يقوم النَّاس لربِّ العالمين، فقال المهدي دعه، فلقد قامت كلُّ شعرةٍ في رأسي.
قوله (وَالزُّهْرِيُّ) مجرورٌ عطفًا على (نافع) وابن أبي ذئب يروي عن الزُّهريِّ لا عن سالم، وآدم يروي عن أبي ذئب لا عن الزُّهريِّ.
قوله (مَا يَلْبَسُ) (ما) موصولةٌ، وهو مفعول ثان لـ (سأل) أي عمَّا يلبسه أو موصوفه، أو استفهاميَّة.
و (لَا يُلبَسُ) بضمِّ السِّين وكسرها.
قوله (وَلَا ثَوْبٌ) في بعض النُّسخ كذا يرفعه بتقدير فعل ما لم يُسمَّ فاعله؛ أي لا يُلبَسُ ثوبٌ.
إن قلتَ لمَ عدل عن طريقة إخوانه.
قلتُ لأنَّ الطِّيب حرامٌ على الرَّجل والمرأة، فأراد أن يعمَّ الحكم للمحرمة والمحرم، بخلاف الثِّياب المذكورة، فإنَّها حرامٌ على الرِّجال فقط.
فائدة اعلم أنَّه عليه السَّلام سُئِل عمَّا يجوز لبسه، فأجاب بعدِّ ما لا يجوز لبسه؛ ليدلَّ بالالتزام من طريق المفهوم على ما يجوز، وإنَّما عدل عن الجواب الصَّريح إليه؛ لأنَّه اختصر وأحصر فإنَّ ما يحرم أقلُّ وأضبط ممَّا يحلُّ، أو لأنَّه لو قال تلبس كذا وكذا ربَّما أوهم أنَّ لبس شيءٍ ممَّا عدُّوه من المناسك، وليس كذلك؛ لأنَّ السُّؤال كان من حقِّه أن يكون عمَّا لا يلبس؛ لأنَّ الحكم العارض المحتاج إلى البيان هو الحرمة، وأمَّا جواز ما يلبس؛ فثابتٌ بالأصلِ مَعْلومٌ بالاستصحاب، ولذلك أتى بالجواب على وقفه تنبيهًا عليه، انتهى.
وقد أجاب ابن المنيِّر عنه أيضًا، وإنَّما لم يذكر البخاريُّ السُّؤال عن الوضوء بماء البحر، وإن كان أصرح في المقصود؛ لأنَّه ليس على شرطه؛ كذا قاله بعضهم وفي كلام بعضهم أنَّ البخاريَّ صحَّحه، انتهى.
وإن كان صحَّحه؛ فلا يلزم من تصحيحه أن يكون على شرط الكتاب.
وهو في السُّنن الأربعة، والسَّائل عن الوضوء بماء البحر هو عُبيد بضمِّ العين العَرَكي [1] بفتح الرَّاء.
إشارة ورد في «أبي داود» أنَّ رجلًا سأل النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم مَا يترك المحرم من الثِّياب؟ فقال «لا يلبس القميص ... » إلى آخره، وكذا رواه الإمام أحمد والدَّار قطني على أنَّ سفيان رواه مرَّةً عن الزُّهريِّ عن سالمِ عن أبيه (ما يترك المحرم؟) رواه أحمد [2] فجاء على الأصل.
خاتمة
اختلفوا في قَطْع الخفِّ؛ قال الإمام أحمد لا يجبُ القطع؛ لحديث ابن عبَّاس رضي الله تعالى عنهمَا «من لم يجد نعلين؛ فليلبَسْ خفَّين» حيث جاء مطلقًا من غير التَّقييد بالقطع، وأصحابه يزعمون نسخ حديث ابن عمر المصرِّح بقطعهما، وإنَّ قطعهما إضاعة مال.
وقال الجمهور المُطْلق يُحمَل على المقيَّد، والزِّيادة من الثِّقة مَقْبولةٌ، والإضاعة إنَّما تكون فيما نُهِي عنه، وأمَّا عمَّا وَرَدَ به الشَّرع؛ فليس بإضاعة، بل حقٌّ يجب الإذعان له، انتهى.
خاتمة
روى الطَّبرانيُّ في «الكبير» عن أبي موسى مرفوعًا «يبعث الله العباد يوم القيامة وقد غفر للعلماء، فيقول يا معشر العلماء! إنِّي لم أضع فيكم علمي لأعذِّبكم، اذهبوا فقد غفرتُ لكم» .
وفي رواية أُبي «لم أجعل علمي وحكمتي فيكم إلَّا وأنا أريد أن أغفر لكم على ما كان فيكم ولا أبالي» فيه موسى بن عبيدة ضعيفٌ.
وقال الكرمانيُّ (العِمَامَةَ) بكسر العين، أقول وضمِّها.
و (السَّرَاويلَ) أعجميَّةٌ عرِّبت، وجاء على لفظ الجمع وهي واحدة تُذكَّر وتُؤنَّث، ولم يعرف الأصمعيُّ فيها ألَّا التَّأنيث، ويُجمع على السَّراويلات، وقد يُقال هو جَمْع، ومفرده سروالة، قال الشَّاعر
~عليه من اللُّؤم سروالة فليس يرقُّ لمستضعف
وهو غير منصرفٍ على الأكثر.
[1] انظر «تنوير الحوالك» (1/ 35) ، وقد أورد الزرقاني في «شرح الموطأ» (1/ 133) الأقوال الواردة في تسمية هذا السائل فقال (مِنْ بَنِي مُدْلِجٍ كَمَا فِي «مُسْنَدِ أَحْمَدَ» ، وَلِلطَّبَرَانِيِّ أَنَّ اسْمَهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ وَلِابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّهُ الْفِرَاسِيُّ، وَفِي «الْإِصَابَةِ» عَبْدٌ؛ بِسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ بِغَيْرِ إِضَافَةٍ، الْعَرَكِيُّ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالرَّاءِ بَعْدَهَا كَافٌ، هُوَ الْمَلَّاحُ، وَوَهِمَ مَنْ قَالَ إِنَّهُ اسْمٌ بِلَفْظِ النَّسَبِ، قِيلَ هُوَ اسْمُ الَّذِي سَأَلَ عَنْ مَاءِ الْبَحْرِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَحَكَى ابْنُ بَشْكُوَال أَنَّ اسْمَهُ عَبْدُ اللَّهِ الْمُدْلِجِيُّ، وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ اسْمُهُ عُبَيْدٌ؛ بِالتَّصْغِيرِ، وَقَالَ الْبَغَوِيُّ اسْمُهُ حُمَيْدُ بْنُ صَخْرَةَ، قَالَ وَبَلَغَنِي أَنَّ اسْمَهُ عَبْدُ وُدٍّ، انْتَهَى) .
[2] «مسند أحمد» (4538) ، «سنن أبي داود» (1823) ، «سنن الدارقطني» (2449) .