فهرس الكتاب
145 -لطيفة (وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ) (حبَّان) يحتمل صرفه ومنعه نظرًا إلى اشتقاقه من (حبِن) بكسر الموحَّدة إذا طرأ له السَّقي، أو من حبَّ، وفي الإسناد لطيفة، وهي أنَّ الثَّلاث منهم تابعيُّون روى بعضهم عن بعض.
فائدة (اللَّبِنَةُ) بفتح اللَّام وكسر الموحَّدة، ويجوز إسكان المُوَحَّدة مع فتح اللَّام، ومع كسرها، وكذا كلُّ ما كان على هذا الوزن، أعني مفتوح الأوَّل مكسور الثَّاني، يجوز فيه الأوجه الثَّلاثة كيف، وإن كان ثانيه أو ثالثه حرف حلق جاز فيه وجه رابع، وهو كسر الأوَّل والثَّاني كفخذ.
فائدة (عَلَى لَبِنَتَيْنِ) يحتمل أن يكونا مَبنيين، فيكون حجَّةً لمن قال أنَّه لا يُطلَق الانحراف في الكنف المبنيَّة في القبلة خلافًا لما ذَهَب إليه أبو أيُّوبَ، وفي روايةٍ صحيحةٍ لابن حزم ثابتة يَقْضي حاجتَه بحجر عليه باللِّبن، وللبزار رأيته في كنيف مُسْتقبل القبلة، ثمَّ قال لا يُعْلَم رواها عن نافع إلَّا عيسى الخيَّاط، وهو ضعيفٌ.
قوله (أَنَّهُ كَانَ) أي إن واسعًا كان؛ قاله الكرمانيُّ، ورأيتُ كلام شيخنا قال هذا وهم، إنَّما هو ابن عمر رضي الله تعالى [عنه] كما رواه مُسْلمٌ، انتهى.
وسيأتي كلام ابن بطَّال وكلام الكرمانيِّ أيضًا.
وفي «صحيح مسلم» فقال عبدُ الله يقولُ ناسٌ إذا قعدت للحاجة ... فَذَكره.
قوله (بَيْتَ المَقْدِسِ) هو من باب إضافة الموصوف على صفته، نحو المسجد الجامع.
و (المقدس) فيه لغتان فتح الميم وسكون القاف وكسر الدَّال المخفَّفة وضمِّ الميم وفتح القاف والدَّال المشدَّدة.
ومعناه بالمشدَّدةِ المطهَّر المخفَّف، لا يخلو إمَّا أن يكونَ مَصْدرًا أو مكانًا، ومعناه بيت المكان الَّذي جعل فيه الطَّهارة، أو بيت مكان الطَّهارة، وتطهيره إخلاؤه من الأصنامِ، انتهى.
كذا هنا، وسيأتي مُسْتقبل الشَّام مستدبر القبلة، وفي ابن حبَّان مُستقبل القبلة مُسْتدبر الشَّام، وكأنَّه مَقْلوبٌ.
قوله (لَقَدِ ارْتَقَيْتُ) اللَّام في جواب قسمٍ محذوف.
قوله (عَلَى لَبِنَتَيْنِ) حال عن رسول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم، وكذا مُسْتقبلًا، ويحتملُ أن يكونا مترادفتين وأن يكونا مُتَداخلتين.
قوله (وَقَالَ) أي ابن عمرو الخطَّاب في (لعلَّك) لواسع؛ أي لعلَّك من الَّذين لا يعرفون السُّنَّة، إذ لو كنتَ عارفًا بالسُّنَّة؛ لعرفتَ جواز استقبال بيتِ المقدس، ولمَّا التفت إلى قولهم وإنَّما كنَّى عن الجاهلين بالسُّنَّة بالَّذين يُصَلُّون على أوراكهم؛ لأنَّ المصلِّي على الورك لا يكون إلَّا جاهلًا بالسُّنَّة، وإلَّا لما صلَّى عليه، والسُّنَّة في السُّجود التَّخوية؛ أن لا يلصق بوركه بالأرض، بَلْ يرتفع عنها، انتهى.
وقال والدي الحافظ قوله (لَعَلَّكَ) هو من كلامه صلَّى الله عليه وسلَّم، واستشهد بما قال ابن الأثير في «نهايته» ، ومنه الحديث، فذكر (لعلَّك) إلى آخره، انتهى.
وقال شيخنا في «الفتح» بعد أن نقل كلام الكرمانيِّ قال ولا يخفى مَا فيه من التَّكلف، وليس في السِّياقِ أنَّ واسعًا سأل ابن عمر عن المسألةِ الأولى حتَّى يَنْسبَه إلى عَدَم مَعْرفتها، ثمَّ الحصر مردودٌ؛ لأنَّه قد يسجد على وركيه مَن يكون عارفًا بسنن الخلاء الَّذي يَظْهر في المناسبة ما دلَّ عليه سياق مسلم، ففي أوَّله عنده عن واسع، قال كنتُ أصلِّي في المسجد، فإذا عبد الله بن عمر جالس، فلمَّا قضيتُ صلاتي انصرفت إليه من شقي فقال عبد الله
ج 1 ص 143
يقول ناسٌ فذكر الحديث، فكان ابن عمر رأى منه في حال سجوده شيئًا لم يتحقَّقه، فسأله عنه بالعبارة المذكورة، وكأنَّه بدأ بالقصَّة الأولى؛ لأنَّها من روايته المرفوعة المحقَّقة عنده، فقدَّمها على ذلك الأمر المظنون، ولا يبعد أن يكونَ قريبَ العَهْد بقول من يُنقَل عنه مَا نقل، فأحبَّ أن يُعرِّف الحكم لهذا التَّابعيِّ لينقله عنه على أنَّه لا يمنع أبدًا مناسبة بين هاتينِ المسألتين بخصوصهما، وأنَّ لأحدهما بالأخرى تعلقًا بأن يقال لعلَّ [1] كان يَسْجدُ وهو لاصقٌ بطنَه بوركيه كان يظنُّ استقبال القبلة بفرجه في كلِّ حالةٍ كما قدَّمنا في الكلام على مقام النَّهي.
وأحوالُ الصَّلاة أربعة قيامٌ وركوعٌ وسجودٌ وقعودٌ، وانضمام الفرج فيها بين الوركين يمكن، إلَّا إذا جافى في السُّجود، فرأى أنَّ الإلصاق ضمًّا للفرج، ففعله ابتداعًا وقطعًا، والسُّنَّة بخلاف ذلك، والتَّستُّر بالثِّياب كافٍ في ذلك.
إن قلنا مثار الخلاف النَّهي للاستقبال بالعَوْرة، فلمَّا حدَّث ابن عمر التَّابعيَّ بالحكم الاوَّل؛ أشار إلى الحكم الثَّاني منبِّهًا له على ما ظنَّه منه في تلك الصَّلاةِ الَّتي رآه صلَّاها.
قوله (لَا أَدْرِي) أي لا أدري أنا منهم أو لا أدري السُّنَّة في الاستقبال ببيت المقدس، انتهى.
وقال شيخنا وأمَّا قول واسع (لا أدري) ؛ فدالٌّ على أنَّه لا شعورَ عندَه بشيء مِن ما ظنَّه به، ولهذا لم يُغْلظ ابن عمر له في التَّرجمة.
قوله (قَالَ مَالِكُ) يعني فسَّر الصَّلاة على الورك باللُّصوق بالأرض حالة السُّجود.
وأمَّا قولُ البخاريِّ نقله تعليقًا، وأمَّا قول عبد الله، يكون داخلًا تحت الإسناد المذكور، قال ابن بطَّال أمَّا قول ابن عمر إنَّ ناسًا يقولون ... إلى آخره؛ فهو ممَّا رواه مَعْقل الأسَديِّ أنَّ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم نهى أن تُستقبَل القبلة بغائطٍ أو بولٍ.
وأقول فجعل (أنَّ ناسًا) مقولًا لابن عمر لا لواسع، والسِّياق لا يساعده، انتهى.
وابن عمر يجوز أن يكون نظره إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم كان منه التفاتة فرآه ولم يكن قاصدًا لذلك، ويحتمل أن يكون ابن عمر قَصَدَ ذلك ورأى رأسَه دون مَا عداه من بدنه، ثمَّ تأمَّل قعوده، فعرف كيف هو جالس ليستقبل فعله، فنَقَل ما شاهد.
والنَّهي عن استقبال بيت المقدس يحتمل أن يكون على معنى الاحترام له إذا كان مرَّة فعله أنسًا، ويحتمل أن يكون من أجل استدبار الكعبة؛ لأنَّ سبب استقبال بيت المَقْدس بالمدينة فقد استدبر الكَعْبة.
[1] في الأصل فوقها (كذا) .