فهرس الكتاب

الصفحة 2990 من 6723

2896 - قوله (عن مصعب بن سعد، قال رأى سعد) هذا الحديث هنا مرسل، وذلك لأن مصعبًا ذكر قصة لم يدركها، وقد وصله النسائي في «الصغير» ، كما رأيته بخط والدي رحمه الله تعالى، وقال النووي في «رياضه» وقد وصله البرقاني في «صحيحه» ، والله أعلم، ورأيت في كلام المزي قال البخاري في (الجهاد) عن سليمان بن حرب، عن محمد بن طلحة، عن أبيه به، وظاهره أن الضمير في (عنه) لمصعب، وقوله (به) ؛ أي والده، فيكون موصولًا، فلعله كان في الأصل عن مصعب عن سعد، فتصحفت (عن) فصارت (ابن) .

وكتبت هذا إلى شيخنا بهذا، فأجاب صنيع المزي خطأ، وقد وقع له في سياقه تغيير، فإن الذي في الأصل عن محمد بن طلحة عن طلحة، فغيره بقوله عن محمد بن طلحة، عن أبيه، وهو بالمعنى، وفيه فائدة، ولكنه يوهم أنه وقع كذلك في الأصل، نعم هو في ذلك تابع لأبي مسعود، فإنه قال في «الأطراف» البخاري في (الجهاد) عن سليمان بن حرب، عن محمد بن طلح، عن أبيه، لكنه لم يزد على ذلك، فسلم من قوله (عنه به) ، وبيان ذلك أن جميع نسخ «البخاري» فيها (عن مصعب بن سعد قال رأى سعد ... ) إلى آخره، فدعوى التصحيف بعيدة مع توارد النسخ مع اختلاف أسانيدها إلى الفربري على ذلك.

فإن قيل يحتمل أن يكون التصحيف وقع في نسخة الفربري؟ رُدَّ بأنه وقع في رواية إبراهيم بن معقل النسفي الراوي عن البخاري، كما وقع عند الفربري، والنسخة من رواية ابن معقل، وقفت عليها وهي في غاية الإتقان،

ج 2 ص 110

وعليها خط أبي عمر بن عبد البر، ثم لو سُلِّم التصحيف؛ لصار هكذا (عن مصعب بن سعد، عن سعد أن سعدًا) ، وهو وإن كان سائغًا بأن يكون من نوع التجويد، لكنه خلاف الظاهر، وقد سبق النووي إلى دعوى الإرسال فيه الحُميدي في «جمعه» ، ومنه نقل النووي وهذا لفظه، قال في «أفراد البخاري الخامس» (عن طلحة بن مصرف، عن مصعب بن سعد، قال رأى سعد أن له فضلًا على من دونه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم هل تُنصرون وترزقون إلا بضعفائكم؟!) هكذا أخرجه البخاري مرسلًا من رواية سُليمان بن حرب، وجوَّده مسعر عن محمد بن طلحة، عن أبيه، قال فيه عن مصعب بن سعد، عن أبيه، وأخرجه البرقاني من رواية مسعر وعن غيره مسندًا، انتهى كلامه.

وقد يوهم تفرد سليمان بن حرب بذلك وليس كذلك، فإن الإسماعيلي أخرجه في «صحيحه» من رواية أحمد بن عبد الله من يونس، ومن رواية عاصم بن علي، كلاهما عن محمد بن طلحة، عن طلحة، عن مصعب بن سعد، قال رأي سعد أن له فضلًا ... ؛ الحديث، كما عند البخاري.

وقوله (جوده مسعر) يوهم تفرده بوصله، وليس كذلك، فقد أخرجه الإسماعيلي من طريق معاذ بن هانئ، عن محمد بن طلحة، عن أبيه، عن مصعب بن سعد، عن أبيه، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفائهم؛ بدعائهم، وإخلاصهم، وصلاتهم» .

ثم ساقه من طريق أبي حاتم الرازي حدثنا عمر بن حفص بن غياث، حدثنا أبي، عن مسعر، عن طلحة بن مصرف، عن مصعب بن سعد، عن أبيه أنه ظن أن له فضلًا على من دونه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إنما ينصر الله هذه الأمة بضعفائهم؛ بدعواتهم، وصلاتهم، وإخلاصهم» ، وهكذا أخرجه أبو نعيم من رواية عمر بن حفص في «حلية الأولياء» ، وأخرجه من رواية سهل بن عثمان عن ابن أبي زائدة، كرواية حفص بن غياث، ولفظه عن محمد بن طلحة بن مصرف، عن أبيه، عن مصعب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لسعدٍ ... ؛ الحديث.

وقد بينت في المقدمة توجيه إخراج البخاري له بنظائر لذلك أوردتها، يظهر منها أن رواية من اشتهر بصحبة أبيه أو قريبه أو مولاه، إذا جاءت الرواية عنه بأي صيغة كانت؛ تحمل على أنه أخذ ذلك عنه؛ كهذه، وكرواية عروة أن عائشة، ورواية عكرمة أن ابن عباس، حيث لا يحدث في السياق ما يقتضي أنه أخذ ذلك عنه صريحًا، وبالله التوفيق.

قوله (أنَّ له فضلًا) أي بسبب غناه وكثرة ماله، وقال غيره (فضلًا) ؛ أي شجاعته وكرمه وسخاؤه، فأجابه عليه السَّلام بأنَّ تلك الشَّجاعة ببر كة ضعفاء المسلمين، وتلك السَّخاوة أيضًا ببركتهم، وأبرزه في صورة الاستفهام؛ ليدل على مزيد التَّقريع والتَّوبيخ.

فائدة في أن نصرة السَّلاطين وأرزاق الملوك ليس إلَّا ببركة الفقراء والمساكين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت