فهرس الكتاب

الصفحة 3398 من 6723

3426 - 3427 - قوله (مثلي ومثل الناس) وجه تعلقه بقصَّة داود عليه السلام أنَّ المقصود ذكر ما بعده، لكن ذكره الرَّاوي معه كما سمعه منه، أو أن متابعة الأنبياء موجبة للإخلاص، كما أنَّ هذا التَّحاكم خلاص الكبرى من تلبسها بالباطل، ووباله في الآخرة، وخلاص الصُّغرى من ألم فراق ولدها، وخلاص الابن من القتل.

فائدة إنما خالف سليمان داودَ صلى الله عليهما وسلَّم مع أنهما لا يحكمان إلا بالحقِّ لأنَّ حكمهما إن كان بالوحي؛ فالثاني ناسخ، وإن كان بالاجتهاد؛ فالثاني

ج 2 ص 154

أصوب، وإن كان كلاهما صواب.

قال البرماوي على أنَّ الضمير في (قضى) يحتمل أنَّه راجع إلى داود، وجاز النَّقض لدليل أقوى.

وقيل الصَّغائر جائزة عليه لا سيما بالسهو، أقول وفيما قاله نظر، إذ هم عليهم السلام يعصمون من الكبائر والصغائر قبل النبوَّة وبعدها، فإن قيل لمَّا اعترف الخصم بأن الحقَّ لخصمه؛ فكيف حكم به؟! قيل لعلَّه علم بالقرينة أنَّه لا يريد حقيقة الإقرار، أو كأنها أقرَّت بذلك على تقدير الشق، وهذا كما قال الفقهاء إذا قال المقر للمقر له اجعله في الصندوق، أو خذه، أو زنه، ونحوه؛ فإنَّه لا يكون إقرارًا.

وحكم به للصُّغرى؛ لأنَّه ثبت عنده ما يقتضي الحكم، أو أنَّ القرينة في دينه كالبينة.

وقال النَّوويُّ استدلَّ سليمان عليه السلام بشفقة الصُّغرى على أنَّها أمه، وأمَّا الكبرى؛ فما كرهت ذلك، بل أرادته لتشاركها صاحبتها في المصيبة بفقد ولدها.

وأمَّا داود؛ فيحتمل أنَّه قضى للكبرى بشبهٍ رآه فيهما، أو أنه كان في شريعته الترجيح بالكبر، أولكونه كان في يدها، وكان ذلك مرجحًا في شرعه.

وأما سليمان فتوصَّل بطريق من الملاطفة إلى معرفة باطن القضيَّة، فأوهمها أنه يريد قطعه ليعرف من يشق قطعه عليها، فلما قالت الصغرى ما قالت؛ عرف أنَّها أمه، ولم يكن مراده أن يقطعه حقيقة، ولعلَّه استقرَّ الكبرى فأقرَّت بعد ذلك به للصغرى، فحكم به لها بإقرار صاحبتها لا بمجرد الشَّفقة.

فإن قيل المجتهد لا ينقض حكم المجتهد، فالجواب أنَّ ذلك فتوى من داود عليهما السلام لا حكم، أو لعلَّ في شرعهم جواز النَّقض، والنَّسخ فيه أنَّ سليمان فعل ذلك توسُّلًا إلى أظهار الحقِّ، فلمَّا أقرَّت الكبرى؛ عمل بإقرارها وإن كان بعد الحكم كما إذا اعترف المحكوم له بعد الحكم أنَّ الحق لصاحبه أو لما سبق من الاحتمالات، انتهى.

إشارة الأصحُّ عندنا أنَّ المرأة إذا استلحقت؛ لم يلحقها؛ لإمكان إقامة البيِّنة على الولادة بطريق المشاهدة بخلاف الرَّجل، وحكى ابن المنذر من «الإجماع» ، والثَّاني يلحقها لأنَّها أحد الأبوين، وعزاه في «التَّعريف» إلى ابن شريح ويستدلُّ له بهذه القصَّة، والثَّالث يلحق الخلية دون المزوَّجة.

ولعلَّ سيِّدنا داود لمَّا قضى به دهشت الأم عن إقامة البيِّنة، فلمَّا خرجتا على سيدنا سليمان، وقال ما قال استحضرت أن لها بينة فأقامتها.

[قوله (المدية) بضم الميم وكسرها وفتحها، سميت به؛ لأنها تقطع مدَّ حياة الحيوان، و (السكين) به؛ لأنها تسكن حركته، وهي تذكر وتؤنث.] [1]

[1] ما بين معقوفين جاء في هامش الأصل بدون إشارة ولعل موضعه هنا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت