4679 - [قوله (استحرَّ) أي كثر واشتدَّ، وهو استفعل من الحرِّ، والمكروه أبدًا يضاف إلى الحر، والمحبوب إلى البرد، ومنه المثل يتولَّى حارَّها من تولى قارَّها] [1] .
قوله (هو والله خير) يحتمل أن يكون أفعل التفضيل، فإن قلت كيف ترك صلى الله عليه وسلم ما هو خير؟
قلت هذا خير في هذا الزمان، وكان تركه خيرًا في عهده صلى الله عليه وسلم لعدم تمام النزول، واحتمال النسخ ونحوه.
إشارة إن قلت كيف ألحقهما بالقرآن وشرطه التواتر؟
قلت معناه لم أجدهما مكتوبين عند غيره، أو المراد لم أجدهما محفوظتين، ووجهه أن المقصود من التواتر إفادة اليقين، والخبر الواحد المحفوف بالقرائن يفيد أيضًا اليقين، وكان هنا قرائن مثل كونهما مكتوبتين ونحوها، وأن مثله لا يقدر في مثله بمحضر الصحابة أن يقول إلا حقًّا وصدقًا، والجواب الأول أولى.
الخطابي هذا مما يخفى على كثير؛ فيتوهمون أن بعض القرآن إنما أخذ في الآحاد، فاعلم أن القرآن كله كان مجموعًا في صدور الرجال في حياته عليه السلام بهذا التأليف الذي نقرأه، إلا سورة براءة؛ فإنها نزلت آخرًا، ثم بين لهم الشارع موضعها، وقد ثبت أن أربعة من الصحابة كانوا يجمعون القرآن كله في زمانه، وقد كان لهم شركاء، لكن هؤلاء أكثر تجويدًا للقراءة، فتبين أن جمع القرآن كان متقدمًا على زمان أبي بكر، وأما جمع أبي بكر؛ فمعناه أنه كان قبل ذلك في الأكتاف ونحوها، فهو قد جمعه في الصحف، وحوله إلى ما بين الدفتين، ولعل الشارع ترك الجمع في مصحف كما فعل الصحابة؛ لأن النسخ قد كان يرد على التلاوة، فلو جمعه بين الدفتين، وسارت به الركبان إلى البلدان، ثم تنسخ تلاوته لأدى ذلك إلى اختلاف عظيم فيه، فحفظه الله منه، إلى أن ختم بوفاته، ثم قدر لخلفائه باتفاق سائر الصحابة جمعه بين الدفتين عند الحاجة، وحين لم يكن النسخ مترقب.
فإن قيل إذا كان محفوظًا في الصدور، فما الحاجة إلى الاستخراج من الرقاع ونحوه؟
أجيب بأنهم إنما جعلوا ذلك استظهارًا.
إن قيل كيف يصنعون بقول زيد لم أجدهما مع غيره؟
قلت سورة (براءة) نزلت آخرًا، فيحتمل أن الآيتين لم تكونا محفوظتين فيما بلغ زيدًا إلا لخزيمة، وذلك لقرب العهد بنزولهما؛ فألحقهما زيد بآخر السورة؛ إذ وافق ذلك المكتوب في الظروف، وأما الذي اعتمده الفقهاء في جميع ما وضع بين الدفتين؛ إنما كان عن اتفاق الشيخين، ووافقهما عثمان عليه، وكان زيد كاتب الوحي، وهو الذي يلي الجمع، ثم اتفاق الملأ من الصحابة على أن ما بين الدفتين قرآن، لم يختلفوا في شيء منه، فهذا هو الحجة فيه، ولا ينكر أن يكون غير خزيمة أيضًا حفظ الآيتين، وثبت العلم به عند الصحابة حين حصل عليه الإجماع، وإنما كان ما ذكره زيد حكاية عن نفسه، ومبلغ علمه في الحال المتقدمة، ولا يدفع ذلك أن يكون قد تظاهر به الخبر من قبل غيره، ومن جهات شتى اشتركوا كلهم في علمه، فصار ذلك شهادة من الجم الغفير، ثبت به حكم الإجماع، وزال عنه اعتبار ما قبله من رواية الآحاد، فله الحمد والمنة] [2] .
[1] ما بين معقوفين تقدم في الأصل جاء بعد قوله (ويكون بالخير والشر) .
[2] ما بين معقوفين منقول من الخاتمة (51/ب) ، و «أعلام الحديث» (3/ 1851 - 1859) «الكواكب الدراري» (17/ 149، 150) .