فهرس الكتاب
4775 - قوله (ما من مولود إلا يولد على الفطرة) إلى قوله {فِطْرَتَ الله} الآية [الروم30] تقدم ونقوله هنا (الفطرة) فِعلة تدل على النوع كالجلسة من الفَطْر، وهو يستعمل بمعنى السن، وبمعنى الابتداع والاختراع، والفطرة الخلقة واللام فيها إشارة إلى المعهود الذي في قوله تعالى {فِطْرَتَ الله} الآية وهو عبارة عن الاستعداد القابل لمعرفة الصانع والتمييز بين الحق والباطل، والمعنى أن كل مولود إنما يولد في مبتدأ الخلقة على الجبلَّة السليمة والطبع المتهيِّئ لقبول الدين القويم ولو لم يعترضه آفة من الخارج من فساد التربية، وتقليد الأبويين، والإلف بالمحسوسات، والانهماك في الشهوات ونحو ذلك؛ لنظر فيما نصب من الدلائل على التوحيد، وصدق الرسول، وغير ذلك نظرًا صحيحًا يوصله
ج 2 ص 241
إلى الحقِّ، ولم يختر إلا الملة الحقيقية، لكن يصده عن ذلك أمثال هذه العوائق كأولاد اليهود والنصارى.
وقيل المراد بالفطرة العهد الذي أخذ عليهم يوم الميثاق، وهو قوله تعالى {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} الآية [الأعراف172] .
وقال الخطابي معناه _والله تعالى أعلم_ أن كل مولود من البشر إنما يولد على فطرته التي جبل عليها في علم الله تعالى من السعادة أو الشقاوة، وكل منهم صائر في العاقبة إلى ما فطر عليها، وعامل في الدنيا بالعمل المشاكل لفطرته في السعادة أو الشقاوة، فمن أمارات الشقاوة للطفل أن يولد بين يهوديين أو نصرانيين فيحملانه على اعتقاديهما.
إشارة قيل المراد بالفطرة الإسلام، واستبعد بعضهم هذا التأويل من وجهين
أما أولًا فلأنه يؤدي إلى المنافاة بين الحديث والآية التي استشهد بها؛ لأن الآية تدل على تلك الفطرة لا تبدل كما قال {لَا تَبْدِيلَ لِخلق اللَّهِ} [الروم30] والحديث يدل على أن الإسلام يبدله تهويد الأبوين.
وأما الفطرة بالتفسير الأول فلا يتمكن أحد من تبديلها؛ لأنها وإن ذهب عنها ذاهب كانت هي بحالها، وتبقى حجة عليه.
وأما ثانيًا فلأن المولود لو ولد مسلمًا لم يجعله الشرع تبعًا لأبويه الكافرين في كفرهما، وأما التمسك بأن أبا عيسى قد أورد هذا الحديث في كتابه على لفظة «كل مولود يولد على الملة» ، فليس بشيء؛ إذ يحتمل أن النبي عليه السلام تلفظ بهذه الفظة في مجلس آخر، وأراد بها أن كل مولود يولد على حكم الإسلام على معنى أنه لو خلي هو وطبعه، ونظر فيما نصب له من الآيات؛ اختار الإسلام، واستقر عليه.
ويحتمل أن الصحابي أو غيره من رواة الحديث تلفظ بذلك ذهابًا إلى رواية الحديث بالمعنى، قاله القاضي.
قوله (كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء) هذا صفة للمصدر المحذوف، و (ما) في (كما) مصدرية وتقديره يولد على الفطرة ولادة مثل نتاج البهيمة بهيمة جمعاء.
و (تنتج) يروى على بناء المفعول، يقال نتجت الناقة على بناء المجهول تنتج نتاجًا، إذا ولدت، فهي منتوجة، كما يقال نفست المرأة فهي منفوسة، و (بهيمة) مفعول ثان، أو نصب بنزع الخافض، ويروى على بناء الفاعل من قولهم أنتجت الفرس؛ إذا كان نتاجها أو استبان حملها، ولم يستعملوه إلا على هذا الوجه، وهذا الوجه لا يساعد معنى الحديث إلا أن يقال أن الإنتاج قد ورد بمعنى الإيلاد في اللغة القليلة.
والجمعاء من البهيمة هي التي لم يذهب من بدنها شيء؛ أي السليمة من الآفات، وهي صفة لـ (بهيمة) ، ويجوز أن يكون تأكيدًا لها على مذهب الكوفيين، فإنه يجوز أن يقع تأكيدًا للنكرة.
و (تحسون) تجدون في تلك البهيمة من جدعاء صفة أخرى لـ (بهيمة) بتقدير مقولًا في حقها.
والجدعاء تأنيث الأجدع مقطوع الأذن أو الأنف أو الشفة، والمعنى أن البهيمة تولد سوية الأطراف، سليمة من الجدع، فلو لم يتعرض الناس لها لبقيت كما ولدت، يشبه به ولادة الطفل على الفطرة السليمة بولادة البهيمة السليمة من العيوب، غير أن المراد في البهيمة سلامتها عن العيوب الظاهرة، وفي الطفل سلامته عن العيوب المعنوية.
وقوله (ثم يقول) بمعنى قال، وعدل
ج 2 ص 242
إلى المضارع حكاية للحال الماضية استحضارًا له في ذهن السامع كأنه يسمع منه عليه السلام.
واعلم أن قوله {لَا تَبْدِيلَ} [يونس64] لا يجوز أن يجري على ظاهره بأن يكون إخبارًا محضًا لحصول التبديل، بل يؤول بأن يقال من شأنه ألا يتبدل، أو يقال إن الخبر بمعنى النهي.
فائدة الفاء في (فأبواه) للتعقيب.
و (كما) إما حال من الضمير المنصوب في (يهودانه) فالمعنى يهودان المولود بعد أن خلق على الفطرة، وشبهه بالبهيمة التي جدعت بعد أن خلقت سليمة، وإما صفة مصدر محذوف؛ أي يغيرانه تغييرًا مثل تغييرهم البهيمة، وعلى هذا تكون الأفعال الثلاثة (يهودانه، وينصرانه، ويمجسانه) تناوبت في (كما) على التقديرين.