فهرس الكتاب
278 -279 - قوله (كَانَتْ بَنُوْ إِسْرَائِيْل) لفظ (بنو) هو جمع السَّلامة، لكنَّه على خلاف القياس؛ لوقوع التَّغير في مفرده.
إن قلتَ لم أنَّث الفعل المسند إليه؛ قلتُ عند مَنْ قال حكم ظاهر الجمع مطلقًا حكم ظاهر غير الحقيقيِّ، فلا إشكال، وأمَّا من قال كلُّ جمعٍ مؤنَّث إلَّا جمع السَّلامة المؤنَّث؛ فتأنيثه أيضًا عنده على خلاف القياس أو باعتبار القبيلة، ويُحتمَل أنَّ النَّظر كان جائزًا في شرعهم، وكان موسى عليه السَّلام يختار الخلوة تنزُّهًا واستحبابًا وحياء ومروءة، أو أنَّه كان حرامًا في شرعهم أيضًا وكانوا يتساهلون فيه.
قوله (إِلَّا أَنَّهُ آدَرُ) استثناءٌ مفرغٌ، والمستثنى منه مقدَّر، وهو لأمرٍ من الأمورِ.
قوله (ثَوْبِي) مفعول فعلٍ محذوفٍ، نحو رُدَّ أو أعطني؛ قاله الكرمانيُّ، وقال ابن الملقِّن أو اترك، فحذف الفعل لدلالة الحال عليه، وإنَّما نادى موسى عليه السَّلام الحجر نداء مَنْ يعقل؛ لأنَّه صَدَر من الحجر فعل مَنْ يَعْقل، وموسى عليه السَّلام نزل إلى الماء مؤتزرًا، فلمَّا خرج يَتْبع الحجر، والمئزر مبتلٌ بالماء علموا عند رؤيته أنَّه ليس بآدر؛ لأنَّ الآدرة تتبين تحت الثَّوب المبلول بالماء؛ هكذا قاله النَّيْسابوريُّ، وقال ابن الجَوْزيِّ أنَّ موسى عليه السَّلام كان في خَلْوة كما في الحديثِ، فلمَّا تبع الحجر؛ لم يكن عندَه أحد، فاتَّفق أنَّه جاز على قوم فرأوه، وجوانب الأنهار وإن خَلَتْ؛ لا يُؤمنُ وجودُ قومٍ فيهَا، فبنى موسى عليه السَّلام الأمر على أنَّه لا يراه أحدٌ على ما رأى مِنْ خلاء المكان، فاتَّفق مَنْ رآه.
إشارة (إِثْرِهِ) بكسر الهمزة، وفي بعضها بفتحها وفتح المثلَّثة أيضًا.
ج 1 ص 201
قوله (مِنْ بَأْسٍ) اسم كان، و (مِنْ) فيه زائدةٌ، و (الحَجَرَ) مَنْصوبٌ بفعلٍ مقدَّرٍ، وَهُوَ (يَضْرب) أي طفق يَضْرب الحجر ضربًا، وفي بعضها بزيادةِ الباء، ومعناه جَعَل ملتزمًا بذلك يَضْربه ضربًا، وضرب موسى عليه السَّلام يجوز أن يكون أراد به إظهار مُعْجزته لقومه، ويُحتمَل أن يكونَ أوحى إليه إظهار معجزته؛ قاله النَّوويُّ، ومشي الحجر إلى بني إسرائيل بالثَّوب أيضًا معجزةٌ أخرى لموسى عليه السَّلام.
إشارة (طَفِقَ) بكسر الفاء وفتحها لغتان.
قوله (قَالَ أَبُو هُرَيْرَة) إمَّا تعليقٌ، وإمَّا مِنْ تتمَّة مقول همام، فيكون مُسْندًا.
قوله (سِتَّة) هو مرفوعٌ بالبدليَّة، أو هو منصوبٌ على التَّمييز، وكذلك (ضربًا) تمييزٌ.
قوله (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) هذا تعليقٌ.
إن قلتَ لم قال أوَّلًا (قال) ، وههنا (وعن) ؛ قلتُ إشارةً إلى أنَّ الأوَّل تعليقٌ بصيغة التَّصحيح لما فيه من الجزم، والثَّاني تعليقٌ بصيغة التَّمريض، انتهى.
قوله (أيُّوب) هو مِنْ ولد رُوم بضمِّ الرَّاء ابن العيص بكسر المهملة وسكون التَّحتانيَّة، وبالمهملة بن إسحاق، وكان عمره ثلاثًا وستِّين ومدَّة بلائه سبع سنين، وهو مبتدأٌ، و (يَغْتَسِل) خبره، والجملة في محلِّ الجرِّ بإضافة (بين) إليه.
وأصل (بينا) بين، وزِيدَت الألف لإشباع الفتحة، والعامل فيه خبرٌ.
إن قلتَ ما بعد الفاء لا يعمل فيما قبله؛ لأنَّ فيه معنى الجزائيَّة، إذ (بين) متضمِّنٌ للشَّرط؛ قلتُ لا نسلِّم عمله، سيَّما في الظُّروف، إذ فيه توسُّعٌ، أو العامل خبرٌ مقدَّرٌ، والمذكور مفسِّرٌ له.
إن قلتَ المشهور دخول (إذ) و (إذا) في جوابه؛ قلتُ كما أنَّ (إذا) تقوم مقام الفاء في جزاء الشَّرط، نحو قوله تعالى {وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيْهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُوْنَ} [الرُّوم36] تقوم الفاء مقام إذا في جواب (بين) فبينهما مقارضة.
قوله (قَالَ بَلَى) لو قيل في مثل هذه المواضع بدل بلى نعم؛ لا يجوز بل يكون كفرًا، وإنَّما لم يفرِّق الفقهاء بين بلى ونعم في الأقارير؛ لأنَّ مبناها على العرف، ولا فرق بينهما عُرْفًا.
قوله (لَا غِنَى) إن قلتَ أهو بالتَّنوين أو بدونه، أو هو مرفوعٌ تقديرًا أو منصوبٌ؛ قلتُ جاز فيه الأمران؛ نظرًا إلى أن لا لنفي الجنس، أو بمعنى (ليس) ، فَعَلى الأوَّلِ هو مَبْنيٌّ على مَا ينصب به، ولا يُنوَّن، وعلى الثَّاني هو مرفوعُ منوَّن.
إن قلتَ هل فرق في المعنى بين الوجهين؟
قلتُ قال الأصوليُّون النَّكرة في سياق النَّفي تفيد العموم، فلا فرقَ بينهمَا، وقال الزَّمخشريُّ في أوَّل البقرة قرئ {لَا رَيْبُ} [البقرة2] بالرَّفع، والفرق بينها وبين القراءة المشهورة أنَّ المشهورة توجب الاستغراق، وهذه تجوِّزه.
إن قلتَ خبر (لا) هو لفظ (بي) أو (عن بركتك) ؛ قلتُ المعنى صحيح على التَّقديرين.
قوله (فَنَادَاهُ رَبُّهُ) يُحتمَل أن تكون كلَّمه، كما كلَّم موسى عليهما السَّلام، وهو أولى بظاهر اللَّفظ، ويُحتمَل أن يرسل إليه ملَكًا، فسُمِّي منادى بذلك، وقَدْ حكاها على وجه الاحتمال الدَّاوديُّ وابن المنيِّر.
قوله (رَوَاهُ إِبْرَاهِيْمُ) الظَّاهر أنَّه ابن طهمان، انتهى كلام الكرمانيِّ، وقد جزم جماعة بأنَّه ابن طَهْمان.
قوله (بَيْنَا أيُّوبُ) المراد إلى آخر الحديث بدلٌ من الضَّمير في رواية إبراهيم، وإنَّما أخَّر الإسنادَ عن النَّبيِّ لعلَّ له طريقًا آخر غير هذا، وتركه وذكر الحديث تعليقًا لغرضٍ مِنَ الأغراضِ الَّتي تتعلَّق بالتَّعليقات.
ثمَّ قال (ورواه إبراهيم) إشعارًا بهذا الطَّريق الآخر، وهذا أيضًا تعليقٌ؛ لأنَّ البخاريَّ لم يُدْرك عَصْرَ إبراهيم، لكنَّه نوع آخر منهَا، فلا يكون فيه تأخير الإسناد، وكذا لو قلنا (وعن أبي هريرة مِنْ تتمِّة كلام همام) فلا يكون تأخيرًا أيضًا؛ لأنَّه حينئذ يكون مذكورًا للتَّقوية والتَّأكيد، ثمَّ إنَّ المحدِّثين كثيرًا يذكر الحديث أوَّلًا ثمَّ يأتي بالإسناد، لكنَّ الغالب قبله.
فائدة قال ابن بطَّال
ج 1 ص 202
في حديث موسى وأيُّوب عليهما السَّلام دليلٌ على إباحة التَّعرِّي في الخلوةِ للغسلِ وغيره، بحيث يأمن لعين النَّاس؛ لأنَّهما مِنَ الَّذين أمر الله تعالى أن يُقْتدَى بهداهم، ألا ترى أنَّ الله سبحانه عاتب أيُّوب عليه السَّلام على جَمْع الجراد ولم يعاتبه على اغتساله عريانًا، ولو كلَّف الله سبحانه عباده الاستتار في الخلوة؛ لكان في ذلك حرجٌ على العباد، إلَّا أنَّه مِنَ الآداب.
وفي الأوَّل دليلٌ على جواز النَّظر إلى العَوْرة عندَ الضَّرورة الدَّاعية إليه من مداواةٍ أو براءٍ من العيوب أو إثباتها كالمرض وغيرهما، ممَّا يتحاكم فيها النَّاس ممَّا لا بدَّ فيها من رؤية أهل البصر بها.
وفي الثَّاني دليلٌ على جواز الحرص على المال الحلال وفضل الغنى؛ لأنَّه سمَّاه (بركة) .
خاتمة
(صَفْوانُ بْنُ سُلَيْمٍ) يُقال أنَّه لم يضع جنبه على الأرض أربعين سنة، وكان لا يقبل جوائز السُّلطان، قال الإمام أحمد يُستنزَل بذكره الغيث.