فهرس الكتاب

الصفحة 4435 من 6723

4981 - قوله (آمن عليه البشر) الأمان يستعمل بالباء وباللام، وإنَّما استعمل هنا بـ (على) ؛ لأنَّ فيه تضمين الغلبة؛ أي مغلوبًا عليه، مع أنَّ حروف الجر يقوم بعضها مقام بعض، قاله الكرمانيُّ [1] ، وللقاضي عياض في «الشفا» ولغيره كلامٌ على هذا، النوويُّ اختلف في معناه على أقوال

الأول أنَّ كلَّ نبيٍّ أعطي من المعجزات ما كان مثله لمن كان قبله من الأنبياء، فآمن به البشر، وأمَّا معجزته العظيمة الظاهرة؛ فهي القرآن الذي لم يعط أحد مثله، ولهذا أنا أكثرهم تبعًا.

الثاني أنَّ الذي أوتيته لا يتطرق إليه تخييل أو شبهة بخلاف معجزة غيري؛ فإنَّه قد يخيل الساحر بشيء مما يقارب صورتها، كما خيلت السحرة في صورة عصا موسى، والخيال قد يروج على بعض العوام، والفرق بين المعجزة والسحر والتخيل يحتاج إلى فكر، وقد يخطئ الناظر فيعتقدها سواء.

الثالث أنَّ معجزات الأنبياء انقرضت بانقراض أعصارهم، ولم يشاهدها إلا من حضرها بحضرتهم، ومعجزة نبيِّنا القرآن المستمر إلى يوم القيامة.

الطيبيُّ لفظ (عليه) هو حال؛ أي مغلوبًا عليه في التحدي والمباراة؛ أي ليس نبي إلا قد أعطاه الله من المعجزات الشيء الذي صفته أنَّه إذا شوهد اضطر الشاهد إلى الإيمان به، وتحريره أنَّ كلَّ نبيٍّ اختص بما يثبت دعواه من خارق العادات بحسب زمانه؛ كقلب العصا ثعبانًا؛ لأنَّ الغلبة في زمان سيدنا موسى السحر، فأتاهم بما فوق السحر، فاضطرهم إلى الإيمان به، وفي زمان سيدنا عيسى الطب، فجاء بما هو أعلى من الطب، وهو إحياء الموتى، وفي زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم البلاغة، فجاء بالقرآن.

ويحتمل وجهًا خامسًا وهو أنَّ القرآن ليس له مثل لا صورة ولا حقيقة، قال تعالى {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ} [البقرة23] بخلاف معجزات غيره، فإنَّها وإن لم يكن لها مثل حقيقة؛ يحتمل لها صورة.

قوله (إنَّما) إن قلت معجزة النَّبيِّ عليه السلام ما كانت منحصرة في القرآن.

قلت المراد أعظمها وأفيدها، فإنَّه يشتمل على الدعوة والحجة، وينتفع به الحاضر والغائب إلى يوم القيامة، ولهذا رتب عليه بقوله «فأنا أرجو» .

[1] «الكواكب الدراري» (19/ 3) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت