5519 - قوله (ورخص في لحوم الخيل) قال الكرمانيُّ قال الشافعيُّ وأحمد بإباحة لحم الخيل، وقال أبو حنيفة بتحريمه [1] ، انتهى
اعلم أن الرخصة في اللغة التيسير والتسهيل، قال الجوهريُّ الرخصة في الأمر خلاف التشديد فيه، ومن ذلك رَخُص الشَّعر إذا تيسَّر وسَهُل، وفي الاصطلاح هو الحكم الثابت على خلاف الدليل لعذر.
فهذا الحديث حجَّة لمن احتجَّ بعدم جواز الأكل، وقد كرهه أبو حنيفة، وظاهر اللفظ عنه في كتاب (الصيد) على أنَّ الكراهة فيه للتَّنزيه، فإنَّه قال رخَّص فيه بعض العلماء، وأنا لا يعجبني أكله، وروى الأنصاريُّ عنه أنَّه قال رأى في الكراهة التَّحريم، وفي «الهداية» هو الأصحُّ، وفي «المحيط» و «الذَّخيرة» هو الصَّحيح، وفي «منية المفتي» هو الأظهر.
وفي «مسلم» (وأذن في لحوم الخيل) ، وهي مثل رواية البخاري في الرُّخصة؛ لأنَّ الحرمة لو لم تكن معروفة عندهم؛ لما احتاج إلى الإذن، ورواية البخاري نص في الرخصة، ورواية مسلم مشعرة بالرخصة، فهي محمولة على الرخصة المنصوصة.
وأمَّا رواية أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنها (نحرنا فرسًا على عهد رسول الله فأكلنا) ؛ فقالوا لا حجَّة في شيء من ذلك، إذ لم تقل أخبرنا بذلك رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فأقرَّنا عليه، وفي مثل ذلك قال عمر رضي الله عنه هل أعلمتم بذلك رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فأقرَّكم عليه؟ فلم يجعل عمر ما فعلوه حجَّة حتى يقرَّهم على فعله عليه السَّلام.
الوجه الثاني أنَّها وقائع أعيان، وروى أبو داود، والنَّسائيُّ، وابن ماجه، والإمام أحمد، والطَّحاويُّ، والدَّارقطنيُّ من حديث بقيَّة بن الوليد الحمصي عن ثور بن يزيد بن زياد عن صالح بن يحيى بن المقدام بن معدي كرب عن أبيه عن جدِّه عن خالد بن الوليد أنَّه سمع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول «لا يحلُّ لحوم الخيل ... » ؛ الحديث في رواية النَّسائيِّ، وفي رواية أبو داود وابن ماجه «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل لحوم الخيل ... » ؛ الحديث، وفي رواية النَّسائيِّ وابن ماجه (قال بقية حدَّثني ثور بن يزيد) ، قال النَّسائيُّ إذا قال بقية حدَّثنا وأخبرنا؛ فهو حجَّة؛ لأنَّه ثقة، وقبله قاله ابن الجوزيِّ، وهكذا ذكره في الإمام أيضًا، وهو رواية صاحب عن صاحب، وثور بن يزيد روى له البخاريُّ، والنَّسائيُّ، وأبو داود، وابن ماجه، وصالح بن يحيى بن المقدام وأبوه روى لهما النَّسائيُّ، وأبو داود، وابن ماجه، وأحمد، والحافظ أبو جعفر، والدَّارقطنيُّ.
وبقيَّة لم ينفرد بذلك عن ثور بن يزيد عن صالح، فقد ورد من غير طريق بقيَّة بن الوليد عن عكرمة بن عمَّار عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن جابر (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل لحوم الحمر الأهليَّة، والخيل، والبغال) ، أخرجه بهذا الإسناد أبو بكر الرَّازيُّ وابن حزم، وحديث خالد أخرجه أبو داود في (الأطعمة) عن سعيد بن شبيب وحيوة بن شريح، وأخرجه في كتاب (الصَّيد) عن إسحق بن إبراهيم وكثير بن عبيد، وأخرجه ابن ماجه عن محمد بن المصفى وبقيَّة، ورواه سليمان بن سليم عن صالح، أخرجه الإمام أحمد والطَّبرانيُّ، وأخرجه ابن شاهين من حديث سليمان التَّيميِّ عن ثور بن يزيد عن أبي غزوان الحمصيِّ عن يحيى بن جرير عن خالد مرفوعًا «أنهاكم عن أكل خيلها ... » ؛ الحديث، وذكر الصَّدر الشهيد
ج 2 ص 314
عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلم أنَّه قال «إنِّي حرَّمت عليكم لحوم الحمر الأهلية وخيلها وبغالها» ، وحديث جابر فيه تعارض واضطراب، وأحاديثهم كلها ترجع إلى جابر، قال ابن إسحق جابر لم يشهد خيبر.
قالوا وقال أبو داود في باب (أكل لحم الخيل) إنَّه منسوخ، وهذا لا أصل له؛ لأنَّ أبو داود روى الحرمة عن أربعة في كتاب (الأطعمة) وكتاب (الصيد) ولم يقل إنَّه منسوخ، وقول النسائي (يشبه أن يكون منسوخًا) ليس جزمًا منه بنسخه، بل هو مشبه للنسخ.
وقال الدِّمياطيُّ هذه غفلة وهفوة من النسائي؛ لأن حديث جابر كان في غزوة خيبر، وكانت في جمادى الأولى سنة سبع، وإسلام خالد كان بعد خيبر بتسعة أشهر؛ لأنه أسلم في أوَّل يوم من صفر سنة ثمان، فكيف يكون حديث جابر ناسخًا لحديث خالد مع تأخره؟!
وقال ابن حزم لم يسلم خالد إلا بعد خيبر بلا خلاف، وهو يؤيد الطعن على النسائي ويقوي قول الدمياطي؛ لكن ذكر أبو عمرو قال قيل كان إسلام خالد سنة خمس بعد فراغه من بني قريظة، وقال فيه أيضًا في خبر إسلام خالد كان خالد على خيله عليه السلام يوم الحديبية، وكانت الحديبية في ذي القعدة سنة ستٍّ، وخيبر بعدها في سنة سبع في المحرَّم، وقيل في جمادى الأولى، وهذا يبطل قول ابن حزم إنه لم يسلم خالد إلا بعد خيبر بلا خلاف، ويردُّ قول من قال هذه غفلة من النسائي.
أقول وفي البخاري أن خالدًا كان طليعة لقريش في قصة الحديبية، انتهى
وأدلة الشافعية معروفة في ذلك وكذلك قولهم إنَّ حديث خالد ورد في قصة معينة وليس هو مطلقًا، وقولهم (هذا واقعة حال) غير جيد؛ لأن أكثر السُّنَّة واقعة حال، فمن ترك ذلك؛ ترك معظم السنة الشريفة.
قال ابن حزم ولا نعلم عن أحد من السلف كراهة أكل لحم الخيل إلا رواية عن ابن عبَّاس لا تصح؛ لأنها عن نافع بن علقمة وهو مجهول.
قلت قد أسندها ابن أبي شيبة عن وكيع وعلي بن هشام عن ابن أبي ليلى عن المنهال عن سعيد بن جبير، وذكر الإسماعيليُّ في «جمعه» حديث يحيى بن أبي كثير عن نافع بن علقمة أن ابن عبَّاس كان يكره لحوم الخيل، انتهى
قوله (عن محمد بن علي عن جابر) قال الكرماني هو ابن الحنفية [2] ، وقال سيدي هو الباقر والحق مع سيدي فقد ذكره المزي في مسند محمد بن علي بن الحسين بن علي بن جعفر الباقر رضي الله تعالى عنهم.
[1] «الكواكب الدَّراري» (20/ 108) .
[2] «الكواكب الدَّراري» (20/ 107) .