فهرس الكتاب
6406 - فائدة حديث (كلمتان) سيأتي الكلام عليه آخره وأقول هنا (كلمتان) أي كلامان والكلمة تطلق على الكلام كما يقال كلمة الشهادة.
(الميزان) في كيفيته أقوال؛ الأصح أنه جسم محسوس ذو لسان وكفتين والله تعالى يجعل الأعمال كالأعيان موزونة أو بوزن صحف الأعمال.
وفيه إثبات الميزان وفيه صفة المقابلة بين الخفة والثقل والمقصود أنه عمل يسير وله ثواب كثير وفيه جواز السجع وما نهي عنه فهو فيما كان مثل سجع الكهان في كونه متكلفًا أو متضمنًا لباطل.
والحبيبة المحبوبة، يقال حبب فلان إلى هذه الشيء أي جعله محبوبًا، والمراد هنا محبوبية قائلهما ومحبة الله للعبد إرادة إيصال الخير له والتكريم.
إن قلت الفعيل بمعنى المفعول لاسيما إذا كان موصوفه مذكورًا معه يستوي فيه المذكر والمؤنث فما وجه لحوق علامة التأنيث؟
قلت التسوية بينهما جائزة لا واجبة أو وجوبها في المفرد لا في المثنى أو أنثها لمناسبة الخفيفة والثقيلة لأنَّهما بمعنى الفاعلة لا المفعولة أو هذه التاء هي لنقل اللفظ من الوصفية إلى الاسمية.
إن قلت لم خصص لفظ الرحمن من بين سائر الأسماء الحسنى؟
قلت لأن المقصود من الحديث بيان سعة رحمة الله تعالى على عباده حيث يجازي على العمل القليل بالثواب الكثير.
قوله (سبحان) مصدر لازم النصب بإضمار الفعل، وهو علم للتسبيح، والعلم على نوعين؛ علم شخص وعلم جنس، ثم إنه تارة يكون للعين وأخرى للمعنى فهذا من العلم الجنسي الذي للمعنى.
إن قلت قالوا لفظ سبحان واجب الإضافة فكيف الجمع بين العلمية والإضافة؟
قلت ينكر ثم يضاف كما قال الشاعر
~علا زيدنا يوم النقا رأس زيدكم بأبيض ماضي الشفرتين يمان
إن قلت ما معنى التسبيح؟
قلت التنزيه يعنى أنزه الله تعالى تنزيهًا مما لا يليق به تعالى.
إن قلت (و بحمده) معطوف فما المعطوف عليه؟
قلت الواو للحال، تقديره وسبحت الله تعالى متلبسًا بحمدي له من أجل توفيقه لي للتسبيح ونحوه ويحتمل أن يكون (وبحمده) مضافًا إلى الفاعل والمراد من الحمد لازمه مجازًا وهو ما يوجب الحمد من التوفيق ونحوه أو لعطف الجملة على الجملة؛ نحو والتبست بحمده.
إن قلت ما الحمد؟
قلت له تعريفات والمختار
ج 2 ص 420
أنه هو الثناء على الجميل الاختياري على وجه التعظيم واعلم أن لله تعالى صفات عدمية مثل أنه لا شريك له ولا جهة له ولا مثل له وسائر التنزيهات وتسمى بصفات الجلال وصفات وجودية مثل العلم والقدرة ونحوهما وتسمى بصفات الإكرام اقتباسًا من قوله تعالى {ذُو الجَلالِ وَالإِكْرَامِ} [الرحمن27] فالتسبيح إشارة إلى الأولى والتحميد إلى الثانية، وإطلاق اللفظين يعنى ترك التقييد متعلق يشعر بالعموم، فكأنه قال أنزهه عن جميع النقائص وأحمده بجميع الكمالات والنظم الطبيعي يقتضي إثبات التخلية أولا عن النقصان ثم التحلية ثانيا بالكمال فلهذا قدم التسبيح على التحميد، وفيه نكتة أخرى وهي أنه ذكر في الأول لفظ الله الذي اسم للذات المقدسة الجامعة لجميع الصفات العليا والأسماء الحسنى ثم وصفه بالعظيم الذي هو شامل لسلب ما لا يليق به وإثبات ما يليق به إذ العظمة المطلقة الكاملة مستلزمة لعدم الشريك والتجسيم ونحوه والعلم بكل المعلومات والقدرة بكل المقدورات إلى غير ذلك وإلا لم يكن عظيمًا مطلقًا وأما تكرار التسبيح؛ فللإشعار بتنزيهه على الاطلاق ثم بأن التسبيح ليس إلا ملتبسًا بالحمد ليعلم ثبوت الكمال له نفيًا وإثباتًا معًا جميعًا ولأن الاعتناء بشأن التنزيه أكثر من الاعتناء بالتحميد لكثرة المخالفين فيه، قال تعالى {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم} ؛ الآية [يوسف106] ، ولهذا جاء في القرآن بعبارات متعددة، جاء بلفظ المصدر نحو {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ} [الإسراء1] وبلفظ الماضي {سَبَّحَ} [الحديد1] وبلفظ المضارع {يُسَبِّحُ} [الإسراء44] وبلفظ الأمر {سَبِّحِ اسْمَ} [الأعلى1] أو لأن التنزيهات مما تدركها عقولنا بخلاف كمالاته فإن عقولنا قاصرة عن إدراك حقيقتها كما قال بعض المتكلمين الحقائق الإلهية لا تعرف إلا على طريق السلب، كما يقال في العلم لا يدرى منه إلا أنه ليس بجاهل، أما معرفة حقيقة علمه؛ فلا سبيل إليها، وفي الجملة هذه الكلمة الجامعة فيها امتثال لقوله تعالى {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ} [طه130] وتأويل لهذه الآية وللمتمثل بها أعظم المقاصد وهو انحطاط خطاياه وإن كانت في الكثر مثل زبد البحر.