6412 - (مَغْبُونٌ) هو خبر و (كَثِيرٌ) هو المبتدأ، وهو مشتقٌّ إمَّا مِنَ الغبْنِ بإسكانِ الباءِ، وهو النَّقصُ في البيعِ، وإمَّا مِنَ الغَبَن بفتحِها، وهو النَّقصُ في الرَّأي [1] ، فكأنَّهُ قالَ هذانِ الأمرانِ إذا لم يُستعمَلا فيما ينبغِي؛ فَقَدْ غُبِنَ صاحبُهُما فيهما؛ أي باعَهُما بِبَخْسٍ لا تُحمَدُ عاقبتُهُ؛ إذ ليس لَهُ في ذلك رأيٌ ألبتَّة، فإنَّ الإنسانَ إذا لم يَعملِ الطَّاعةَ في زمنِ صِحَّتِهِ؛ ففي زمنِ المَرَضِ بالطَّريقِ الأولى، وعلى ذلك حكم الفراغِ أيضًا، فيبقى بلا عملٍ خاسرًا مغبونًا، هذا وقد يكونُ الإنسانُ صحيحًا ولا يكونُ متفرِّغًا للعِبادةِ؛ لاشتغالِهِ بأسبابِ المعاشِ، وبالعكسِ، فإذا اجتمعا للعَبدِ وقصَّرَ في نيلِ الفضائلِ؛ فذلك هو الغبنُ له كلُّ الغبنِ، وكيفَ لا والدُّنيا هي سوقُ الأرباحِ وتجارات الآخرةِ؟
ابنُ بطَّالٍ (فيه تنبيهٌ على عِظَمِ نِعمةِ اللهِ على عِبادِهِ في الصِّحَّةِ والكفايَةِ؛ لأنَّ المرءَ لا يكونُ فارِغًا حتى يكونَ مكفيًّا مؤنةَ العيشِ، فَمَنْ أنعمَ اللهُ عليهِ بِهِمَا؛ فَلْيَحْذَرْ أنْ يُغْبَنَهُمَا، لاسِيَّما ويعلم أنَّهُ خَلَقَهُ من غيرِ ضرورةٍ إليهِ، وبدأَهُ بالنِّعَمِ الجليلةِ _ كالصِّحَّةِ ونحوِها _ من غيرِ استحقاقٍ منهُ لها، وضمنَ أرزاقَهُ، ووعد له بجزاءِ الحسناتِ أضعافًا مضاعفةً، وأمرَهُ أنْ يَعبُدَهُ؛ شُكْرًا عليها، وتحصيلًا لجزاءِ أعمالِهِ، فَمَنْ لم يَفْعَلْ؛ فقد غبن أيَّامه، وتندَّمَ حينَ لا ينفعه النَّدمُ) [2] .
[1] انظر «الصحاح» مادة (غبن) .
[2] «شرح صحيح البخاري» لابن بطال (10/ 146) ، والكلام بتمامه في «الكواكب الدراري» (22/ 191 ـ 192) .