فهرس الكتاب

الصفحة 5649 من 6723

6491 - قوله (فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ) إنْ قُلتَ ما المقصودُ مِنْ هذا الكلامِ؟ إذ كلُّ كلامِهِ كذلِكَ؛ إذ هو عليهِ السَّلام ما ينطقُ عَنِ الهوى؟

قُلتُ إمَّا بيانٌ أنَّهُ مِنَ الأحاديثِ القُدسيَّةِ، أو بيانُ ما فيهِ مِنَ الإسنادِ الصَّريحِ إلى اللهِ تعالى حيث قالَ (إنَّ اللهَ كتبَ) ، أو بيانُ الواقعِ، وليسَ فيهِ أنَّ غيرَهُ ليسَ كذلكَ؛ إذ قالَ (يرويه) .

قوله (كَتَبَ الْحَسَنَاتِ) ؛ أي قدَّرَها وجعلَها [1] حسنةً أو سيِّئةً.

فيه دلالةٌ على بطلانِ قاعدةِ الحُسنِ والقُبحِ العقليَّةِ، وأنَّ الأفعالَ ليسَتْ بذواتِها قبيحةً أو حسنةً، بل الحُسنُ والقُبحُ شرعيَّانِ، حتَّى لو أرادَ الشَّارعُ التَّعكيسَ والحكمَ بأنَّ الصلاةَ قبيحةٌ، والزِّنى حَسَنٌ؛ كانَ لَهُ ذلِكَ، خلافًا للمعتزلَةِ،

ج 2 ص 434

فإنَّهم قالوا الصَّلاةُ في نَفْسِها حسنةٌ، والزِّنى قبيحٌ، والشَّارعُ كاشِفٌ مُبيِّنٌ، لا مُثبِتٌ، وليسَ لَهُ تعكيسُها [2] .

قوله (عَشْرَ حَسَنَاتٍ) قالَ تعالى {مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ} . . .؛ الآيةَ [3] [الأنعام 160] .

و (إِلَى سَبْعِ مِئَةِ ضِعْفٍ) ؛ أي مِثْلٍ، و (الضِّعفُ) يطلقُ على المِثْلِ وعلى المِثْلينِ، قالَ تعالى {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ} . . .؛ الآيةَ [4] [البقرة 261] .

إنْ قُلتَ لمَّا كانَ الهمُّ فِي الحسنةِ مُعتَبَرًا باعتبارِ أنَّهُ فعلُ القلبِ؛ لزمَ أنْ يكونَ الهمُّ بالسَّيِّئةِ أيضًا كذلِكَ.

قُلتُ هذا مِنْ فضلِهِ تعالى على عبادِهِ؛ حيثُ عفا عنهُم، قالَ تعالى {لَهَا مَا كَسَبَتْ} [5] [البقرة 286] إذ ذكر في الشَّرِّ (بابَ الافتعال) الَّذي لا بدَّ فيهِ مِنَ المعالجةِ والتَّكليفِ فيهِ، كما تَفضَّلَ عليهِم أيضًا بكتابةِ الحسنةِ عَشْرًا وكتابةِ السَّيِّئةِ واحدةً.

إنْ قُلتَ إذا همَّ بالسَّيِّئةِ ولم يعمَلْها؛ فغايتُهُ ألَّا تُكتَبَ له سيِّئةً، فمِن أينَ تكتبُ لَهُ حسنةً؟

قُلتُ الكفُّ عَنِ الشَّرِّ حسنةٌ.

إنْ قُلتَ اتَّفَقُوا أنَّ الشَّخصَ إذا عَزَمَ على تركِ الصَّلاةِ بعدَ عشرينَ سنةً؛ عصى في الحالِ.

قُلتُ العَزمُ _ وهو توطينُ النَّفسِ على فعلِهِ _ غيرُ الهمِّ الَّذي هو تحديثُ النَّفسِ مِن غيرِ استقرارٍ.

فيه أنَّ الحفظةَ تكتبُ ما يهمُّ به العبدُ، ولا يُشتَرَطُ ظهورُهُ منهُ، وَلا يخفى أنَّ التَّركَ الَّذي يُثابُ عليه ما يكونُ لوجِهِ اللهِ تعالى، لا لأمرٍ آخَرَ.

الخطَّابيُّ (هذا إذا تَرَكَهَا مَعَ القدرةِ عليها؛ إذ لا يُسمَّى الإنسانُ تارِكًا للشَّيءِ الَّذي لا يقدرُ عليهِ) [6] .

[1] في الأصل (وجعله) ، والمثبت من مصدره.

[2] انظر «البرهان» للجويني (1/ 87 - 88) ، «المواقف» (3/ 659) .

[3] تمامها {فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} .

[4] تمامها {فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} .

[5] تمام الشاهد {وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} .

[6] «أعلام الحديث» (3/ 2252) ، والكلام بتمامه في «الكواكب الدراري» (23/ 13 - 14) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت