فهرس الكتاب
6502 - قوله (لِي) هو في الأصلِ صفةٌ لقولِهِ (وَلِيًّا) ، لكنَّهُ لمَّا تقدَّمَ؛ صارَ حالًا.
(آذَنْتُهُ) ؛ أي أَعْلَمْتُهُ بالحربِ، والمرادُ لازمُهُ؛ أي أعملُ به ما يعملُهُ العدوُّ المحاربُ مِنَ الإيذاءِ ونحوِهِ.
و (أَحَبَُّ) برفعِ الباءِ
ج 2 ص 437
ونصبِهِ [1] .
(يَبْطُِشُ) بالكسرِ والضَّمِّ [2] .
إنْ قُلتَ المحبَّةُ المترتِّبةُ على النَّوافلِ المُستعقِبة لسائِرِ الكمالاتِ المذكورةِ بعدَها تُشعِرُ بأنَّها أفضلُ وأفيدُ [3] مِنَ الفرائِضِ.
قُلتُ حاشا، بل ما تقرَّبَ عبدٌ إلى اللهِ تعالى بأحبَّ مِنَ الفرائِضِ، كما صرَّحَ به أوَّلًا، فالمرادُ مِنَ النَّوافِلِ ما كانتْ حاويةً للفرائِضِ، مشتملةً عليها، مُكمِّلةً لها.
وحاصلُهُ أنَّ تلكَ الكمالاتِ ببركتِهِما جميعًا أصلًا وتابعًا.
إنْ قُلتَ كيفَ يكونُ اللهُ سَمْعَهُ؟
قُلتُ قالَ الخطَّابيُّ(هذه أمثالٌ، والمعنى _ واللهُ تعالى [أعلمُ] _ توفيقُهُ في الأعمالِ الَّتي باشرَها بهذِهِ الأعضاءِ، وتيسُّرُ المحبَّةِ له فيها؛ بأن يحفظَ جوارِحَهُ عليهِ، ويعصِمَهُ من مواقعةِ ما يكرَهُ اللهُ؛ من إصغاءٍ إلى اللَّهوِ مثلًا، ومِن نَظَرٍ إلى ما نهى عنه، ومِن بَطْشٍ ممَّا لا يَحلُّ، ومن سعيٍ في الباطِلِ برِجْلِهِ، أو بأن يُسرِعَ في إجابَةِ الدُّعاءِ والإنجاحِ في الطَّلبِ؛ وذلكَ أنَّ مساعِيَ الإنسانِ إنَّما تكونُ بهذِهِ الجوارِحِ الأربعةِ.
وكذلكَ «التَّردُّدُ» مَثَلٌ؛ لأنَّهُ أيضًا مُحالٌ عليهِ تعالى، ويؤوَّلُ أيضًا بوجهينِ
أحدهما أنَّ العبدَ قد يُسرِفُ في أيَّامِ عمرِهِ، فيدعو اللهَ تعالى، فيشفيهِ منها، ويدفعُ مكروهَهَا عنهُ، فيكونُ ذلكَ في فعلِهِ كتردُّدِ مَن يريدُ أمرًا، ثمَّ يبدو لَهُ في ذلكَ، فيتركُهُ ويعرِضُ عنه، ولا بدَّ لَهُ مِن لقائِهِ إذا بلغَ الكتابُ أجلَهُ، وهذا معنى أنَّ الدُّعاءَ يردُّ البلاءَ [4] .
والثَّاني ما ردَّدتُ رُسُلِي في شيءٍ أنا فاعلُهُ ترديدي إيَّاهُم في نفسِ المؤمِنِ؛ كما رُوِيَ مِن قصَّةِ سيِّدنا موسى عليهِ السَّلام، وما كانَ مِن لَطْمِهِ عَينَ مَلَكِ الموتِ، وتردُّدِهِ إليهِ مرَّةً بعدَ أُخرى [5] .
وحقيقةُ المعنى في الوجهينِ لطفُ اللهِ تعالى بالعبدِ، وشفقتُهُ وعطفُهُ عليهِ) [6] .
أقولُ وقيلَ هنا وجهٌ ثالثٌ؛ وهو أن يَقبِضَ روحَ المؤمنِ بالتَّأنِّي والتَّدريجِ، بخلافِ سائِرِ الأمورِ، فإنَّهُ تحصلُ بمجرَّدِ قولِ (كُنْ) سريعًا دَفعةً [7] .
(مَسَاءَتَهُ) ؛ أي حياتَهُ؛ لأنَّ بالموتِ يبلغُ إلى النَّعيمِ المُقيمِ، لا في الحياةِ، أو لأنَّ حياتَهُ تُؤدِّي إلى أَرْذَلِ العمرِ، وتنكيسِ الخَلْقِ، والرَّدِّ إلى أسفلِ السَّافلينَ.
أو أَكرَهُ مكروهَهُ الَّذي هو الموتُ، فلا أُسرِعُ بقبضِ روحِهِ، فأكونَ كالمتردِّدِ.
إنْ قُلتَ ما وجهُ تعلُّقِهِ بالتَّرجمَةِ؟
قُلتُ التَّقرُّبُ بالنَّوافِلِ لا يكونُ إلا بغايَةِ التَّواضُعِ والتَّذلُّلِ للهِ الحقِّ سبحانَهُ وتعالى.
وقيلَ التَّرجمةُ مستفادةٌ ممَّا قالَ (كُنْتُ سَمْعَهُ) ، وَمِنَ التَّردُّدِ [8] .
[1] قال العينيُّ (وجه الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف؛ أي هو أحبُّ، ووجه النصب _ والمراد به الفتح _ صفة لقوله «بشيءٍ» فيكون مفتوحًا في موضع الجرِّ) «عمدة القاري» (23/ 89) .
[2] بضمِّ الطاء قرأ أبو جعفر، وبالكسر قرأ الباقون، انظر «النشر في القراءات العشر» لابن الجزري (2/ 274) .
[3] في «الكواكب الدراري» (وأقبل) .
[4] رواه أبو الشيخ عن سيِّدنا أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا، انظر «المقاصد الحسنة» رقم (486) ، وللترمذيِّ (2139) عن سيِّدنا سلمان رضي الله عنه مرفوعًا «لا يردُّ القضاءَ إلا الدُّعاء، ولا يزيد العمرَ إلا البرُّ» ، وقال حديث حسن غريب.
[5] رواه البخاري (1339) ، ومسلم (157) (2372) في «صحيحيهما» من حديث سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه.
[6] «أعلام الحديث» (3/ 2259 - 2260) .
[7] انظر «فتح الباري» (11/ 352) ، فإنه أتى بسبعة أوجه.
[8] انظر الكلام بتمامه في «الكواكب الدراري» (23/ 22 - 23) .