7378 - إنْ قُلتَ الصَّبرُ هو حبسُ النَّفْسِ عنِ المكروهِ، وهو تعالى مُنزَّهٌ عنهُ.
قُلتُ المرادُ لازمُهُ، وهو تركُ المعاجلةِ بالعقوبةِ.
إنْ قُلتَ هو أيضًا مُنزَّهٌ عنِ الأذى؟
قُلتُ يعني بهِ أذى يلحقُ الأنبياءَ [1] ؛ إذ في إثباتِ الولدِ لهُ إيذاءٌ للنَّبيِّ؛ لأنَّهُ تكذيبٌ لهُ، وإنكارٌ لمقالتِهِ.
إنْ قُلتَ (مِنَ اللهِ) صلةٌ لقولِهِ (أَصْبَرُ) .
قُلتُ إنَّما جازَ وقوعُ الفاصلةِ بينَهُما؛ لأنَّها ليسَتْ أجنبيَّةً.
قولُهُ (يَدْعُونَ [2] لَهُ الْوَلَدَ) أي ينسبونَ إليهِ ويُثبتونَهُ لهُ، ثمَّ يدفعُ عنهُم المكروهاتِ منَ العللِ والبليَّاتِ، ويرزقُهُم الأرزاقَ والأقواتَ مقابلةً للسَّيئاتِ بالحسناتِ.
فائدةٌ اختلفُوا في الرِّزقِ؛ فالجمهورُ على أنَّه ما ينتفعُ بهِ العبدُ غذاءً أو غيرَهُ، حلالًا أو حرامًا [3] ، وقيلَ هو الغذاءُ، وقيلَ هو الحلالُ.
وغرضُهُ إثباتُ صفةِ الرَّازقيَّةِ لهُ تعالى، وهي عائدةٌ إلى صفةِ القدرةِ؛ لأنَّ معناهُ أنَّهُ خالقٌ للرِّزقِ مُنعِمٌ على العبدِ بهِ.
[عقيدةُ السَّلفِ [4] الحرامُ رزقٌ، وكلٌّ يستوفي رزقَهُ حلالًا أو حرامًا، ولا يُتصوَّرُ ألَّا يأكلَ إنسانٌ رزقَهُ أو يأكلَ غيرُهُ رزقَهُ، وعندَ المعتزلةِ الحرامُ ليسَ برزقٍ [5] ، وهو بناءٌ على أنَّ الرِّزقَ عندَنا الغذاءُ؛ لأنَّ مَا قُدِّرَ [6] أنْ يكونَ غذاءً لشخصٍ لا يصيرُ غذاءً لغيرِهِ، وكما يتغذَّى الإنسانُ بالحلالِ يتغذَّى بالحرامِ، ولو كانَ عبارةً عنِ الملكِ؛ قالُوا لمَا رُزِقَتِ الدَّوابُّ لعدمِ تصوُّرِ الملكِ لها، وفيهِ يتجلَّى وعدُ اللهِ تعالى] [7] .
إنْ قُلتَ القدرةُ قديمةٌ، وإفاضةُ الرِّزقِ حادثةٌ.
قُلتُ التَّعلُّقُ حادثٌ.
إنْ قُلتَ لم يكنْ في الأزلِ رازقًا، وصارَ عندَ وجودِ العبدِ رازقًا، فيلزمُ التَّغيُّرُ فيهِ وكونُهُ محلَّ الحوادثِ.
قُلتُ التَّغيُّرُ في التَّعلُّقِ؛
ج 2 ص 559
يعني قدرتُهُ لم تكنْ مُتعلِّقةً بإعطاءِ الرِّزقِ، ثمَّ تعلَّقَتْ بعدَ ذلكِ، ولا تغيُّرَ في نفسِ الصِّفةِ؛ أي القدرةِ، وهذا هو منشأُ الاختلافِ في أنَّهُ صفةٌ ذاتيَّةٌ أو صفةٌ فعليَّةٌ؛ إذ مَن نظرَ إلى القدرةِ على الرِّزقِ؛ قالَ إنَّه ذاتيَّةٌ وهو قديمةٌ، ومَن نظرَ إلى تعلُّق القدرةِ؛ قالَ فعليَّةٌ وهي حادثةٌ، واستحالةُ الحدوثِ إنَّما هو في الصِّفاتِ الذَّاتيَّةِ لا في الفعليَّاتِ والإضافيَّاتِ [8] .
[1] في الأصل (أنبياء) ، والمثبت من مصدره.
[2] في هامش «اليونينيَّة» ( «يدَّعون» كذا في «اليونينيَّة» بتشديد الدَّال، وقال في «الفتح» [13/ 360] بسكون الدال وجاء بتشديدها. اهـ من هامش الأصل) .
[3] انظر «الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به» (ص 48) ، «الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد» (ص 171) .
[4] في الأصل (النسلي) ، ولعلَّ المثبت هو الصَّواب.
[5] انظر «المغني في أبواب التوحيد والعدل التكليف» (ص 35) .
[6] في الأصل (لا قدر) ، ولعلَّ المثبت هو الصَّواب.
[7] ما بين معقوفين من هامش الأصل.
[8] انظر «الكواكب الدراري» (25/ 100 - 101) .