فهرس الكتاب

الصفحة 865 من 6723

605 -و (أُمِرَ) أي بضمِّ الهمزة؛ أي أمره الرَّسول.

قال بعضهم مثل هذا اللَّفظ موقوف لاحتمال أن يكون الآمر غير الرَّسول، والصَّواب وعليه الأكثر أنَّه مرفوع؛ لأنَّ الإطلاق مثله ينصرف عرفًا إلى صاحب الأمر والنَّهي وهو هو عليه السَّلام، وأيضًا مقصود الرَّاوي بيان شرعيَّته، وهي لا تكون إلَّا إذا كان الأمر صادرًا من الشَّارع.

و (يَشْفَعَ) بفتح الياء والفاء.

إن قلتَ ظاهر الأمر الوجوب، لكنَّ الأذان سنَّة؛ قلتُ ظاهرُ صيغة الأمر له، لا ظاهر لفظه بمعنى أُمِرَ، وههنا لم يذكر الصِّيغة، سلَّمنا أنَّه للإيجاب، لكنَّه لإيجاب الشَّفع لا لأصل الأذان، ولا شكَّ أنَّ الشَّفع واجب ليقع الأذان مشروعًا، كما أنَّ الطَّهارةَ واجبة لصحَّة صلاة النَّفل.

ولئن سلَّمنا أنَّه لنفس الأذان، يقال إنَّه فرض كفاية؛ لأنَّ أهلَ بلدة لو اتَّفقوا على تركه؛ قاتلناهم، أو أنَّ الإجماع مانع عن الحمل على ظاهره.

وذكر العلماء في حكمة الأذان أربعة أشياء إظهار شعائر الإسلام وكلمة التَّوحيد، والإعلام بدخول وقت الصَّلاة وبمكانها، والدُّعاء إلى الجماعة.

أقول وفي اختيار القول دونَ شيء آخر حكمة عظيمة، وهي أنَّ القول كيفيَّته تعرض للنَّفس الضَّروريَّ، فالإعلام به أسهل لذلك، ولعدم الاحتجاج إلى آلة أو أداة، وأنَّه متيسِّر لكلِّ أحد غنيًّا و فقيرًا في كلِّ زمان وكلِّ مكان، سهلًا و جبلًا، برًّا و بحرًا.

والحكمة في إفراد الإقامة وتثنية الأذان؛ أنَّ الأذان لإعلام الغائبين، فيكرِّر ليكون أبلغ في إعلامهم، والإقامة للحاضرين، فلا حاجةَ إلى تكرارها، وإنَّما كرَّر لفظ الإقامة لأنَّه هي المقصود فيهَا.

إن قلتَ لفظ (الله أكبر) أيضًا مكرَّر؛ قلتُ صورته مكرَّرة، لكنَّها بالنِّسبة إلى الأذان إفراد.

وهذا قال أصحابنا يُستحَبُّ للمؤذِّن أن يقول كلَّ تكبيرتين بنَفَسٍ واحدٍ، فيقول في أوَّله الله أكبر الله أكبر، بنَفَس، ثمَّ يقول آخرًا بنَفَسٍ آخر.

(القَرْن) بفتح القاف، ولا منافاةَ بينه وبين ما تقدَّم من أنَّ النَار لليهود، بجواز كون الأمرين لهم.

القاضي عيَاض في لفظ (قُمْ) حجَّة لشرع الأذان قائمًا، وأنَّه لا يجوز قاعدًا. النَّوويُّ الاستدلال به ضعيف؛ لأنَّ المراد بهذا النِّداء الإعلام لا الأذان المعروف؛ ولأنَّ المراد قم فاذهب إلى موضع بارز فناد فيه بالصَّلاةِ ليسمعك النَّاس من بعيدٍ، وليس فيه تعرُّض للقيام في حال الأذان.

خاتمة

لم يؤذِّن بلال لأحد بعده صلَّى الله عليه وسلَّم إلَّا مرَّة واحدة في قَدْمَةٍ قدمها إلى المدينة لزيارة قبره عليه السَّلام، طلب إليه الصَّحابة ذلك، فأذَّن لهم، ولم يتمَّ الأذان.

وقيل أنَّه أذَّن لأبي بكر في خلافته أشهر وسبب سفر بلال لزيارة قبره الشَّريف أنَّه رأى النَّبيَّ عليه السَّلام في المنام فقال له ما هذه الجَفْوة يا بلال! أما آن لك أن تزورني؟ فانتبه من نومه حزينًا وَجِلًا خائفًا، صعد على راحلته من حينه وقصد المدينة فأتى قبره فجعل يبكي عنده ويمرِّغ وجهه عليه، فأقبل الحسن والحسين رضي الله تعالى عنهم إليه، فجعل يضمُّهما ويقبِّلهما، ثمَّ قالا له يا بلال! نَشْتهي أن نسمع أذانك الَّذي كنت تؤذِّن لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَم في المسجد، فعلى سطح المسجد ووقف موقفه الَّذي كان يقف، فلمَّا أن قال الله أكبر؛ ارتجَّت المدينة، فلمَّا أن قال أشهد أن لا إله إلَّا الله؛ ازدادت رجَّتها، فلمَّا أن قال أشهد أنَّ محمَّدًا رسول الله؛ خرجت العواتق من خدورهنَّ وقالوا بُعِثَ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فما رؤي يومًا أكثر باكيًا ولا باكيةً بالمدينة بعد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم من ذلك اليوم، انتهى.

وقال مالك لم يؤذِّن لأحد بعده عليه السَّلام غير مرَّة لعمر حين دخل إلى الشَّام، فبكى النَّاس بكاء شديدًا، وروى ابن أبي شَيْبة وابن عبد البرِّ أنَّه أذَّن لأبي بكر إلى أن مات، ولم يؤذِّن لعمر رضي الله تعالى عنهما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت