فهرس الكتاب

الصفحة 869 من 6723

608 -قوله (لَهُ ضُرَاطٌ) جملة اسميَّة وقعت حالًا بدون الواو، وهو ليس بضعيف؛ لحصول الارتباطِ بالضَّمير، وَوَرَدَ في القرآن العزيز قال الله تعالى {اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} [الأعراف24] .

الطَّيبيُّ شبَّه شغل الشَّيطان نفسه وإغفاله عن سماع الأذان بالصَّوت الَّذي يملأ السَّمع ويمنعه عن سماع غيره، ثمَّ سمَّاه (ضراطًا) تقبيحًا لتلك الحالة، انتهى، أو هو محمول على الحقيقة؛ لأنَّ الشَّياطين يأكلون ويشربون كما ورد في الأخبار، فلا امتناع في وجود ذلك منهم.

قوله (بَيْنَ المَرْءِ وَنَفْسِهِ) إن قلتَ كيف يتصوَّر خطوره بين المرء ونفسه، وهما عبارتان عن شيء واحد؛ قلتُ إمَّا أنَّ المراد بالنَّفْس الرُّوح أو القَلْب، فَهُوَ كقوله تعالى {إِنَّ اللهَ يَحُولُ بَينَ المَرْءِ وَقَلْبِهِ} [الأنفال24] وإمَّا أن يكون ممثِّلًا لغايةِ القُرْبِ منه.

قوله (حَتَّى يَظَلَّ الرَّجَلُ) بفتح الظَّاء المعجمة.

و (الرَّجُلُ) مرفوع، وهو بمعنى (يصير) أو (يكون) ، ليتناول صلاة اللَّيل أيضًا، والمقصودُ أنَّ الشَّيطانَ يسهيه في صلاته.

قال ابن دقيق العيد ولو رُوِيَ بضمِّ الباء؛ لكان صحيحًا؛ يريد حتَّى يضلَّ الشَّيطان الرَّجل عن دراية كم صلَّى، انتهى.

قال الطَّيبيُّ كرَّر حتَّى في هذا الحديث خمس مرَّات أولاهنَّ والرَّابعة والخامسة بمعنى (كي) ، والثَّانية والثَّالثة دخلتا على الجملتين الشَّرطيَّتين، وليستا للتَّعليل.

خاتمة

(قَضَى) بلفظ المعروف، أي المنادى، وفي بعضها بالمجهول، والقضاء جاء لمعان؛ وهنا بمَعْنى الفراغ، تقول قضيتُ حاجتي؛ أي فرغتُ منها، أوْ بمَعْنى الانتهاء.

الخطَّابيُّ العامَّة لا يعرفون التَّثويب إلَّا قول المؤذِّن الصَّلاة خير من النَّوم، لكنَّ المراد بـ (التَّثْوِيبَ) ههنا للإقامة بعد الأذان، وأصل هذه الكلمة أنَّ يلوح الرَّجل بثوبه عند الفراغ يُعلِم بذلك أصحابه، فسُمِّيَ رفع الصَّوت بالإعلام تثويبًا.

وقيل إنَّه مأخوذ من (ثاب) بمَعْنى عاد إلى الشَّيء بعد ذهابه عنه، فقيل الإقامة تثويب؛ لأنَّه رجوع إلى الدُّعاء إلى الصَّلاة بعدَمَا دعاهم إليها بالأذان، وقيل للمؤذِّن إذا قال (الصَّلاة خير من النَّوم) ثمَّ عاد إليه مرَّةً أخرى فقالها قد ثوَّب؛ أي ردَّد القول به مرَّة أخرى، وكذلك إذا قال قد قامت الصَّلاة مرَّتين.

ابن الأنباريِّ سمَّى (الصَّلاة خير من النَّوم) تثويبًا؛

ج 1 ص 322

لأنَّه دعاء ثانٍ إلى الصَّلاةِ، وذلك أنَّه لمَّا قال (حيَّ على الصَّلاة) ؛ دعاهم إليها، ثمَّ قال (الصَّلاة خيرٌ) دَعَا إليها مرَّة أُخْرى.

و (يَخْطر) بضمِّ الطَّاء وكسرها.

النَّوويُّ معناه بالكسر يوسوس، من قولهم خَطِرَ الفحل بِذَنَبِهِ؛ إذا حرَّكه فضرب به فخذيه، وبالضَّمِّ يدنو منه، فمرَّ بينَه وبين قَلْبه ويَشْغله عمَّا هو فيه، وإنَّما يَهْرب الشَّيطان عند الأذان ولا يَهْرب عند الصَّلاة وفيها قراءة القرآن لما يرَى من اتِّفاق الكلِّ على الإعلان بشهادة التَّوحيد وإقامة شعار الشَّريعة ونزول الرَّحمة العامَّة عليهم، ومن يأسه أن يردَّهم عمَّا أعلنوا به، وقيل لئلَّا يضطرَّ إلى الشَّهادة لابن آدم بشهادة اعترافه بالوحدانيَّة يوم القيامة.

قال عليه السَّلام «لا يَسْمع مدى ... الحديث» .

وقال ابن الجوزيِّ إن قلتَ كيف يهرب من الأذان ويدنو من الصَّلاةِ وفيهَا القرآن والمناجاة؛ قلتُ إبعاده عن الأذان لغيظه من ظهور الدِّين وغَلَبَةِ الحقِّ، وعلى الأذان هيبة يشتدُّ انزعاجه لها، ولا يكاد يقع في الأذان رياء ولا غفلة عند النُّطق به؛ لأنَّه لا تحضره النَّفس، وأمَّا الصَّلاة؛ فإنَّ النَّفس تحضر فيها فيفتح لها الشَّيطان أبواب الوسوسة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت