وفي زعمه أن الإحساس العربي قد تطرف عند العرب وبعض المستعربين بشرف اللغة العربية وعلوها عن غيرها من اللغات بعلة نزول القرآن الكريم بها إلى حد أنهم كانوا ينظرون إلى وجود الألفاظ الأجنبية في اللغة العربية نظرهم إلى شيء نجس ينبغي أن تتنزه عنه اللغة العربية أو عورة ينبغي الاعتذار عنها، وقد ظل فقهاء اللغة العربية قرونا لا يعترفون بدخيل الكلام في اللغة العربية إلا ما ورد منه في القرآن لاضطرارهم إلى ذلك» [1] .
وقد عرض لآراء العلماء العرب القائلين بعدم وقوع الأعجمي في اللغة العربية والقائلين به، وذكر من الفريق الأول أبا عبيدة والإمام الشافعي وبين أن رأيهما بعدم وقوع الأعجمي في اللغة العربية ينقل في زعمه القداسة من القرآن إلى اللغة العربية، واتهم قول الشافعي بسعة العربية وإمكان اتفاق لغتين في بعض الألفاظ بأنه موقف دعاة العنصرية الذين غالوا في تصورهم لقدم الجنس العربي والحضارة العربية بما ينافي حقائق التاريخ، ونسوا أن العرب لم يظهروا كجنس من أجناس الشرق الأوسط ولم يبرز لهم ذكر في تاريخ المنطقة إلا في الألف الأولى قبل الميلاد. بل ونسوا أن العربية لم تدخل عصر التدوين إلا في القرن الرابع الميلادي، ونقد في هذا الصدد رأي الأستاذ المحقق أحمد شاكر بأن العرب أمة من أقدم الأمم ولغتها من أقدم اللغات وجودا، كانت قبل إبراهيم وإسماعيل وقبل الكلدانية والعبرية والسريانية وغيرها بل الفارسية وقد ذهب منها الشيء الكثير بذهاب مدنيتهم الأولى قبل التاريخ، وأن بعض الألفاظ التي يظن أنها دخيلة على العربية ربما كانت منها ثم فقد أصلها [2] .
وبنى على ذلك أن نظرية التعصب للغة العربية يجعلها لا تقبل الألفاظ الدخيلة هو السبب في دخول العربية في مأزق شطرها إلى لغتين: لغة الكتابة
(1) نفس المرجع: ص 88، نقلا عن كتاب: مقدمة في فقه اللغة العربية: د. لويس عوض ص 91، 92.
(2) أصل العرب ولغتهم بين الحقائق والأباطيل: ص 88، 89. نقلا عن كتاب: مقدمة في فقه اللغة العربية: ص 65، 92، 94.