فإن اللغة من اللغات يعيبها على الأغلب الأعم نقصان: نقص في المفردات، ونقص في أصول التعبير. والنقص في المفردات مستدرك لأنها تزاد بالاقتباس والنقل والتجديد. وما من لغة إلا وهي فقيرة لو سقط منها ما لم يكن فيها قبل بضعة قرون. أما النقص المعيب حقا فهو نقص الأصول والقواعد الأساسية في تكوين اللغة. ومن قبيل ما نسب إلى لغتنا من نقص الدلالة على الزمن في صورة المختلفة. وإنه لنقص خطير لو صحت نسبته إليها. ولكنه بحمد الله غير صحيح، ويحق لنا أن نقول: إن هذه اللغة العربية لغة الزمن لأنها تحسن التعبير عنه، ولغة الزمن لأنها قادرة على مسايرة الزمن في عصرنا هذا وفيما يلي من عصور [1] .
هذا، وإن العربية لتفترق عن غيرها من اللغات ببراعتها في تمثلها للكلام الأجنبي، عن طريق صوغه على أوزانها، وإنزاله على أحكامها، وجعله جزءا لا يتجزأ من عناصر التعبير فيها [2] على أن العرب كانوا في اقتراضهم لتلك الألفاظ يعمدون في أغلب الحالات إلى تلك التي تعبر عن أمور غير مألوفة في شبه الجزيرة، من أزهار وطيور وخمور وأدوات منزلية، وغير ذلك من كلمات تتطلبها مظاهر الحضارة والمدنية لدى الأمم العريقة التي كانت تتاخم الحدود العربية كالفرس واليونان، أي أن استعارتهم في مثل هذه الحالات كانت استعارة ضرورة وحاجة ملحة على أنهم في القليل من الأحيان قد اقتبسوا أيضا بعض تلك الألفاظ الأجنبية التي لها نظائر في لغتهم في المعنى والدلالة، إما لإعجابهم بأصحاب هذه الألفاظ والشعور بأنهم أرقى ثقافة وحضارة أو للدعاية والتفكه [3] .
ويحدثنا التاريخ عن صلة العرب بالأمم المتاخمة لهم لجلب البضائع،
(1) اللغة الشاعرة: عباس محمود العقاد، ص 97، ط. مكتبة غريب.
(2) دراسات في فقه اللغة: د. صبحي الصالح، ص 314، بتصرف.
(3) من أسرار اللغة: د. إبراهيم أنيس، ص 109بتصرف يسير.