وقد عثر في كثير من بلاد النبط على آثار كثيرة مدونة باللغة الآرامية يتمثل معظمها في نقوش على القبور. ويتردد تاريخ هذه الوثائق بين أوائل القرن الأول ق. م وأوائل الرابع بعد الميلاد، واللغة التي دونت بها لا تختلف كثيرا عن الفلسطينية الحديثة.
وقد اختلف الباحثون في الأصل الذي انحدر منه النبطيون: فبعضهم يذهب إلى أن معظمهم ينحدر من أصول آرامية. وبعضهم يذهب إلى أنهم ينتمون إلى أصول عربية، ولكنهم كانوا يستخدمون الآرامية لغة كتابة. وإلى هذا الرأي الأخير يميل كثير من الباحثين [1] .
أيا ما كان الأمر، فإن وجود اللغة الآرامية والكتابة الآرامية عند النبط الذين كانوا قد اتصلوا اتصالا مباشرا بالعرب، قد أثر تأثيرا لا يستهان به على الحضارة العربية الجاهلية وعلى تكوين المادة اللغوية العربية في شمال الجزيرة من ناحية التمدن والعمران كما يتضح لنا ذلك من الخط النبطي وتأثيره على الخط العربي الإسلامي [2] .
هذا، وقد دخلت العربية كلمات كثيرة لا تكاد تحصى من اللغة الآرامية، وتختلف منابعها، نظرا لتعدد لهجات الآرامية. فاللهجات الآرامية غير السريانية، هي التي اقتبست منها اللغة العربية، في الدور الأول من تأثير الآرامية فيها، وهو زمان الجاهلية وأوائل الإسلام. والدور الثاني هو أول زمان الدولة العباسية إذ كان السريانيون معلمي المسلمين في العلوم الفلسفية والطبيعة والطب وغير ذلك.
(1) فقه اللغة: د. علي عبد الواحد وافي، ص 64، 65بتصرف ولمزيد من التفصيل راجع:
تاريخ اللغات السامية: أ. ولفنسون، ص 134، وما بعدها.
(2) تاريخ اللغات السامية: أ. ولفنسون، ص 137بتصرف يسير.