ولما دل سبحانه على بعدهم عن الهداية وعن الشكر اللذين يفخرون على الناس كافة بكل منهما، واستعطفهم بما أودع فيهم من اللطائف الربانية الروحانية المقتضية بنورانيتها للعروج إلى مواطن القدس ومعادن الأنس، دل على قدرته على حشرهم تحذيرًا لهم من التمادي في الإعراض بمعنى يجده كل منهم في نفسه على وجه دال على كمال قدرته بما أودع فيهم مع تلك اللطائف مع كثائف طباع الأرض الموجبة للسفول ليكون - إذا أعلته تلك اللطائف بالتوبة - مجتهدًا في تنقية آثار تلك الكثائف المسفلة كما يكون للزرع إذا حصد من بقايا تلك الجذر التي إن لم تقلع من أصلها عادت بالنبات إلى ما كان عليه الزرع أولًا، فقال مستأنفًا بيانًا لأنه دليل برأسه كاف فيما سبق له: {قل هو} أي وحده {الذي ذرأكم} أي خلقكم وبثكم ونشركم وكثركم وأنشأكم بعد ما كنتم كالذر أطفالًا ضعفاء، ثم قواكم ثم جعلكم شيبًا ضعفاء وأسكنكم الغضب والذعر واللجاج الحامل لكم على الولوع بما يلجىء إليه الطباع المثيرة {في الأرض} التي تقدم أنه ذللها لكم ورزقكم منها النبات الذي تقدم أن إبداءه منها