الدنية لحضورها عنده أعظم من أثر الآخرة العليا لغيابها، فكان كالبهائم لا إدراك له لغير الجزئيات الحاضرة، فانهمك في جميع أعمالها وأعرض عن الاستعداد للآخرة بالعبادة وتهذيب النفس فلم ينه نفسه عن الهوى.
ولما كان الإنسان مؤاخذًا بما اكتسب، سبب عن أعماله هذه قوله مؤكدًا لتكذيبهم ذلك: {فإن الجحيم} أي النار الشديدة التوقد العظيمة الجموع على من يدخلها {هي} أي لا غيرها {المأوى *} أي المسكن له - هذا مذهب البصريين أن الضمير محذوف، وعند الكوفيين أن «أل» نائب عن الضمير - قاله أبو حيان.
ولما ذكر الطاغي، أتبعه المتقي فقال: {وأما من خاف} ولما كان ذلك الخوف مما يتعلق بالشيء لأجل ذلك الشيء أعظم من ذكر الخوف من ذلك الشيء نفسه فقال: {مقام ربه} أي قيامه بين يدي المحسن إليه عند تذكر إحسانه فلم يطغ فكيف عند تذكر جلاله وانتقامه، أو المكان الذي يقوم فيه بين يديه والزمان، وإذا خاف ذلك المقام فما ظنك بالخوف من صاحبه، وهذا لا يفعله إلا من تحقق المعاد.
ولما ذكر الخوف ذكر ما يتأثر عنه ولم يجعله مسببًا عنه ليفهم أن كلاًّ منهما فاصل على حياله وإن انفصل عن الآخر فقال: