فهرس الكتاب

الصفحة 11399 من 11765

عن آحاد المكلفين أعني ما يثمر العلم اليقين ويعلي من أهل للترقي في درجات المتقين، بل قد يطلع سبحانه خواص عباده - بملازمته التقوى والاعتبار - على واضحة السبيل ويريهم مشاهدة وعيانًا ما قد انتهجوا قبل سبيله بمشقة النظر في الدليل، قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لحارثة:

«وجدت فالزم» وقال مثله للصديق، وقال تعالى: {لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة} [يونس: 64] {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة} [فصلت: 30] فلم يبق في حق هؤلاء ذلك الإبهام، ولا كدر خواطرهم بتكاثف ذلك الإظلام، بما منحهم سبحانه وتعالى من نعمة الإحسان بما وعدهم في قوله: {يجعل لكم فرقانًا} [الأنفال: 29] و {يجعل لكم نورًا تمشون به} [الحديد: 28] {أو من كان ميتًا فأحييناه وجعلنا له نورًا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها} [الأنعام: 122] فعمل هؤلاء على بصيرة، واستولوا اجتهادًا بتوفيق ربهم على أعمال جليلة خطيرة، فقطعوا عن الدنيا الآمال، وتأهبوا لآخرتهم بأوضح الأعمال {تتجافى جنوبهم عن المضاجع} [السجدة: 16] {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين} [السجدة: 17] فلابتداء الأمر وشدة الإبهام والإظلام أشار قوله سبحانه وتعالى: {والليل إذا يغشى} ولما يؤول إليه الحال في حق من كتب في قلبه الإيمان وأيده بروح منه أشار قوله سبحانه وتعالى: {والنهار إذا تجلى} ولانحصار السبل وإن تشعبت في طريقي {فمنكم كافر ومنكم مؤمن} [التغابن: 2] {فريق في الجنة وفريق في السعير} [الشورى: 7] أشار قوله سبحانه وتعالى: {وما خلق الذكر والأنثى} [الليل: 3] {ومن كل شيء خلقنا زوجين} [الذاريات: 49] {ففروا إلى الله} [الذاريات: 50] الواحد مطلقًا، فقد وضح لك إن شاء الله بعض ما يسر من تخصيص هذا القسم - والله أعلم، أما سورة الضحى فلا إشكال في مناسبة في استفتاح القسم بالضحى لما يسره به سبحانه لا سيما إذا اعتبر ما ذكر من سبب نزول السورة، وأنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان قد فتر عنه الوحي حتى قال بعض الكفار: قلى محمدًا ربه، فنزلت السورة مشعرة عن هذه النعمة والبشارة - انتهى.

ولما ذكر حاله في الدنيا بأنه لا يزال يواصله بالوحي والكرامة، ومنه ما هو مفتوح على أمته من بعده روي عن أنس رضي الله عنه أنه قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: «أريت ما هو مفتوح على أمتي من بعدي كَفرًا كَفرًا فسرني ذلك» فلما كان ذلك وكان ذكره على وجه شمل الدارين صرح بالآخرة التي هي أعلى وأجل،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت