من نطقه وما يظهره اليوم والليلة من عمله، والخبير الحق خبير بالشيء دون باد يرى الظاهر خبيثة أمره، فهو بالحقيقة الذي لا خبير إلاّ هو - انتهى.
ولما أكثر لهم من إقامة الأدلة على وحدانيته، وختمها بهذا الدليل المحسوس الذي معناه أن كل شريك وكل ابن يدرك شريكه وأباه، وهو متناه عن أن يدركه، أي يحيط به أحد، ناسب أن يعظهم ويمدح الأدلة حثًا على تدبرها، وجعل ذلك على لسان نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إشارة إلى أنه - لنور قلبه وكمال عقله وصفاء لبه وغزارة علمه وشريف أخلاقه واستقامة غرائزه وبُعد مدى همته عن أن ينسب إلى جور أو يرمى بعناد - حقيق بأن يقول بعد إقامتها من غير تلعثم تقريرًا لأمر دعوته بعد تقرير المطالب العالية الإلهية: {قد جاءكم} .
ولما كانت الآيات - لقوتها وجلالتها التي أشار إليها تذكير الفعل - توجب المعرفة فتكون سببًا لانكشاف الحقائق الذي هو كالنور في جلاء المحسوسات، قال: {بصائر} أي أنوار هي لقلوبكم بمنزلة الضياء المحسوس لعيونكم {من ربكم} أي المحسن إليكم بكل إحسان، فلا إحسان أصلًا لغيره عندكم، فاصعدوا عن النظر بالأبصار إلى الاعتبار