ولما كان ذلك مفهمًا أن النصر ليس إلا بيده وأن شيئًا من الإمداد أو غيره لا يوجب النصر بذاته، صرح به في قوله: {وما النصر} أي حاصلًا وموجودًا بالملائكة وغيرهم من الأسباب {إلا من عند الله} أي لأن له وحده صفات الكمال، فما عنده ليس منحصرًا في الإمداد بالملائكة فالنصر وإن كان بها فليس من عندها، فلا تعتمدوا على وجودها ولا تهنوا بفقدها اعتمادًا عليه سبحانه خاصة، فإن ما عنده من الأسباب لا يحيط به علمًا، هذا إذا أراد النصر بالأسباب، وإن أراد بغير ذلك فعل فكان التعبير بعند لإفهام ذلك.
ولما كانت هذه الغزوة في أول الأمر، وكانوا بعد بروز الوعد الصادق لهم بإحدى الطائفتين كارهين للقاء ذات الشوكة جدًا، ثم وقع لهم ما وقع من النصر، كان المقام مقتضيًا لإثبات عزة الله وحكمته على سبيل التأكيد إعلامًا بأن صفات الكمال ثابتة له دائمًا، فهو ينصر من صبر واتقى بعزته، ويحكم أمره على أتم وجه بحكمته، هذا فعله دائمًا كما فعل في هذه الغزوة فلذلك قال معللًا لما قبله مؤكدًا: {إن الله} أي الملك الأعظم {عزيز} أي هو في غاية الامتناع والقهر لمن يريد قهره أزلًا وأبد. لا يغلب ولا يحوج وليه إلى زيادة العدد ولا نفاسة العدد {حكيم} أي إذا قضى أمرًا كان في غاية الإتقان والإحكام، فلا يستطيع أحد نقص شيء منه، هذا له دائمًا، فهو يفعل في نصركم هكذا مهما استأنستم