أفضى بالإنسان إلى ظن أنه شارع فينسلخ لذلك من الدين، طوى التفريط ونهى عن الإفراط فقال: {ولا تطغوا} أي تتجاوزوا الحد فيما أمرتم به أو نهيتم عنه بالزيادة إفراطًا، فإن الله تعالى إنما أمركم ونهاكم لتهذيب نفوسكم لا لحاجته إلى ذلك ولن تطيقوا أن تقدروا الله حق قدره، والدين متين لن يشاده أحد إلا غلبه، فقد رضي منكم سبحانه الاقتصاد في العمل مع حسن المقاصد، ويجوز أن يكون المعنى: ولا تبطركم النعمة فتخرجكم عن طريق الاستقامة يمنة أو يسرة.
ولما نهي عن الإفراط وهو الزيادة تصريحًا، فأفهم النهي عن التفريط، وهو النقص عن المأمور تلويحًا من باب الأولى، على ذلك مؤكدًا تنزيلًا لمن يفرط أو يفرط منزلة المنكر فقال: {إنه بما تعملون} قدم الظرف لما تقدم من تأكيد الإبصار {بصير*} ومادة «طغى» واوية ويائية بكل ترتيب تدور على مجاوزة الحد مع العلو، فالغطاء: ما ستر به الشيء عاليًا عليه، ولا يكون ساترًا لجميعه إلا إذا فضل عنه فتجاوز حده، وغطى الليل - إذا غشي، وكل شي ارتفع فهو غاط. وطغى السيل - إذا جاء بماء كثير، والبحر: هاجت أمواجه،